عاجلمقالات

خالد محمد علي يكتب :انتصارات الجيش السوداني وعودة الدولة

في تطور جديد للصراع في السودان، تمكن الجيش السوداني، الجمعة الماضية، من تحقيق انتصار نوعي كبير في العاصمة السودانية القديمة أم درمان، حيث نجحت القوات الخاصة بقيادة الفريق أول ياسر العطا من تنظيف أكثر من 90 % من أم درمان، والتحمت القوات للمرة الأولى بقوات سلاح المهندسين المحاصرة منذ عشرة أشهر.
ويرى المراقبون أن هذا الانتصار يشكل نقلة نوعية في الصراع، حيث تحول الجيش من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم، كما أنه نجح في تحرير المدينة دون تدمير المؤسسات المدنية والحيوية بها.
وتكتسب أم درمان أهمية خاصة باعتبارها أحد أضلع مثلث العاصمة الثلاثية الخرطوم، حيث كانت تعد الرافد الأساسي لمد قوات الدعم في الخرطوم بالسلاح، والأفراد، الذين يتم جلبهم من إقليم دارفور بغرب البلاد. كما أن أم درمان تشكل رمزية كبرى عند الشعب السوداني الذي يعتبرها العاصمة التارخية له.
تغيير ديموجرافي في السودان
وعلى الرغم من ارتكاب “الدعم السريع” لجرائم حرب في جميع المناطق التي احتلتها، وخاصة في ولاية غرب دارفور حيث أفادت تقارير منظمات الأمم المتحدة بمقتل 15 ألف شخص من قبيلة المساليت، لم يتوقف رعاة “الدعم السريع” الدوليون كثيرًا أمام هذه الجرائم. ولا تزال الاتصالات مستمرة بقادة هذه القوات في محاولة مكشوفة لتبرير تصرفاتها داخل السودان.
وبفضل هذا الدعم تمكن “الدعم السريع” من السيطرة على أربع ولايات من ولايات دارفور الخمس، وأجزاء كبيرة من ولايات كردفان بالجنوب، وولاية الجزيرة الأهم والأكبر اقتصاديًا في السودان، واحتلال العاصمة السياسية الخرطوم. وقد تمت هذه العمليات بسبب استمرار تدفق الأسلحة الحديثة والأموال على تلك القوات.
لقد تسببت هذه الحروب في أخطار جسيمة على وحدة السودان وتركيبته السكانية، ليس لأن هناك جماعات إرهابية مسلحة تهدد المصالح الأمريكية والغربية في البلاد، ولكن بسبب الهجمات الاقتصادية على ثروات السودان، حيث تتصارع الدول الكبرى مثل أمريكا وأوروبا والصين وروسيا للسيطرة على مناجم الذهب واليورانيوم والنحاس في غرب وشمال السودان، بالإضافة إلى الثروات الزراعية والحيوانية التي تمثل رابع أكبر مخزون للغذاء في العالم وفقًا لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة.
ولكن الخطر الأكبر الذي يهدد البلاد هو محاولة طرد السكان الأصليين في المدن الرئيسية، واستبدالهم بالمجموعات من عرب الشتات، يتم جلبهم من دول الجوار الإفريقي تحت مزاعم إقامة دولة مستقرة للعرب الرحل في السودان.
التدخل الخارجي في السودان
وكان العالم ومنذ 15 أبريل 2023، قد شهد تفجيرات دموية يشنها متمردو “قوات الدعم السريع”، والتي تدعمها تيارات سياسية تتوافق مع رؤية واشنطن في السودان.
يدعي قائد “الدعم السريع”، محمد حمدان دقلو (المعروف بـ “حميدتي”)، والحركة السياسية التي ينتمي لها “الحرية والتغيير – تقدم” بزعامة عبدالله حمدوك، أنهم يستهدفون بقوتهم بقايا نظام عمر البشير الإسلامي، الذين يطلقون عليهم “الكيزان”، ويدعون إلى إزالة تمكينهم من السلطة ومؤسسات الدولة.
ونجحت الولايات المتحدة الأمريكية في استثمار فزاعة الإرهاب لضرب النسيج الاجتماعي والسياسي في البلاد، وتقسيم المشهد إلى قوة سياسية وعسكرية متمردة على رأسها قائد الدعم السريع “حميدتي”، ومجلس سيادة، والجيش السوداني، والذي يقوده الفريق أول عبدالفتاح البرهان.
وكما هو معتاد لم يتوقف الصراع عند طرفيه فقط، ولكن أطرافًا إقليمية ودولية أصبحت فاعلة لتأجيج هذه الحرب، وحصد مزيدًا من أرواح السودانيين تحت مبررات يرفعها حميدتي وأنصاره من بينها محاربة الكيزان، وإقامة دولة ديموقراطية، وإعادة حقوق المهمشين في أطراف السودان في مقابل مبررات قوية رفعها البرهان والجيش السوداني تتضمن الحفاظ على وحدة البلاد ورفض التدخل الخارجي والحفاظ على مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش والأجهزة الأمنية، وعدم استباحة السيادة والقرار السوداني.
تناقض حميدتي
ومن متناقضات الصراع أن حميدتي الذي يرفع شعار إقامة دولة ديموقراطية هو ومجموعته متهمون بارتكاب جرائم حرب، وعمليات إبادة جماعية ضد قبيلة المساليت ذات الجذور الإفريقية في ولاية غرب دارفور، وعاصمتها مدينة الجنينة.
كما أن القوى السياسية والتي تساند حميدتي وخاصة التشكيل الجديد بزعامة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، الذي أطلق عله حركة تقدم يعترف علنا بتلقيه أموالا من منظمات وجهات أمريكية وكندية.
واعترفت رشا عوض، الناطقة الرسمية باسم تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية “تقدم”، بتلقي دعم مالي من منظمتين أمريكيتين هما “الشريكان الدوليان للحوكمة” الكندية و “المعهد القومي للسلام” التابع للحزب الجمهوري الأمريكي.
وكانت وثيقة منسوبة للاتحاد الأوروبي، نشرها الإعلام السوداني في حينها، قد كشفت عن تلقي حكومة عبدالله حمدوك المقالة دعما ماليا مباشرا من دول الاتحاد، عبر برنامج دعم الديمقراطية في أفريقيا.
وهذا الدعم لم يكن سريًا، حيث تم توضيحه في وثيقة الاتحاد التي كشفت عن 12 موظفًا كانوا يتلقون رواتبهم مباشرة بعيدًا عن وزارة المالية السودانية.
ويبقى أن السودانيين ينتظرون انتصار كامل لفكرة الدولة على رغبات الخارج في التقسيم والنهب المنظم.

زر الذهاب إلى الأعلى