“ناجي العلي”.. صوت الضمير العربي الشاهد على مؤامرات العدو الإسرائيلي

كتبت: نجوى إبراهيم
رسام الكاريكاتير الفلسطيني “ناجي العلي” كان ضمير الشارع العربي والشاهد على الجرح الفلسطيني منذ أحداث النكبة عام 1948 وحتى يومنا هذا، قام بفضح مؤامرات العدو الصهيوني التي تدار في الخفاء ضد شعبه وأمته، مما دفعهم لاغتياله بإطلاق الرصاص عليه في لندن.
هزيمة الأنظمة العربية في 1967
تأثر “ناجي” بالهزيمة التى لحقت بالأنظمة العربية عام 1967 التي أطلق عليها نكسة 67، وعبر عنها من خلال رسوماته الكاريكاتيرية بألم وحزن ونقد، وكان هذا هو العام التالي لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة جورج حبش، حيث ولد تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من رحم حركة القوميين العرب سرعان ما تشقق إلى ثلاث فصائل، هي: الجبهة الشعبية القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة، وبقي الكم الأكبر من أتباع التنظيم تحت قيادة جورج حبش.
حزن “ناجي العلي” على هذا الأمر إلا أنه بقي منحازاً للجبهة الشعبية بقيادة حبش وفق ما يؤكد شاكر النابلسي في كتابه أكله الذئب قائلا:”أنا لست حزبياً لأحشر القارئ وأدفعه لتبني موقفي السياسي والآيدولوجي.

فالمعركة واضحة جداً “أنا منطقة محررة ليست مجيرة لأي مؤسسة أو نظام.. أنا متهم بالانحياز.. وهي تهمة لا أنفيها.. أنا لست محايداً.. أنا منحاز لمن هم (تحت).. لمن هم ضحايا الأكاذيب وأطنان التضليلات وصنوف القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات”.
حياته العملية بين الكويت ولبنان
غادر”ناجي” الكويت وعاد إلى لبنان وتزوج من وداد نصر، ثم رجع إلى الكويت مرة أخرى، أثناء عودته من الكويت إلى لبنان تعرف”ناجي” على العديد من عناصر الجناح العسكري لحركة فتح (قوات العاصفة)، اطّلع على مجموع العمليات التي نفذتها ضد الاحتلال الإسرائيلي، فألهبت مشاعره الوطنية وتميزت رسوماته في تلك المرحلة بالمناداة للكفاح المسلح كوسيلة وحيدة لاستعادة الأرض، وكان الانتصار فى معركة الكرامة اثرا ايجابيا فى جرأته وحماسته.

بعد عودة ناجي إلى الكويت، سكن في حي الفروانية، وفي تلك المرحلة نضجت مداركه السياسية لدرجة أصبح فيها متحدثا صلبا في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وكان من كبار المؤيدين للرئيس جمال عبد الناصر وللثورة الفلسطينية، كما توثقت علاقات ناجي مع الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي والصحفي حنا مقبل والروائي رشاد أبو شاور، وتحولت رسوماته إلى تأييد صريح للرئيس جمال عبد الناصر، مستنهضا الأمة العربية لإزالة آثار هزيمة الجيوش العربية في حرب الأيام الستة عام 1967.
عاد ناجى عام 1974 إلى لبنان مرة أخرى ليعمل في صحيفة السفير، ولكنه لم يمكث طويلا بها إذ عاد إلى الكويت عام 1976 للعمل مع جريدة السياسة، فيقول “اضطررت إلى أن أتوقف عن العمل في جريدة السفير أثناء فترة تدخل سوريا في الحرب اللبنانية، حيث تعطل جو الجريدة ومناخها الذي كنت أعبر به عبر الرسوم عن أفكاري فرجعت إلى الكويت، ثم عدت مجدداً إلى بيروت” ثم رجع إلى لبنان ليعمل مرة أخرى في صحيفة السفير حتى عام 1983، رأى ناجي أن عودته للعمل مع جريدة السفير يعطيه هامشاً أوسع من الحرية كونها بقيت مع المقاومة في الجنوب ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد التقسيم الذي كانت تعمل من أجله قوى مسيحية في لبنان.
رجع ناجي إلى بيروت ليسكن صيدا بالقرب من مخيمه الأول عين الحلوة، لمس مع عودته أن الأمور تبدلت وأن المجتمع بات منقسماً طبقياً بشكل حاد، وجه سهامه نحو تحويل بيروت إلى مرتع مخابراتي عالمي، نقد الجوع والفقر والفساد والظلم، حيث كانت الحرب الأهلية في لبنان محركه الدائم للرسم في هذه الفترة، عمل بعدها في القبس الكويتية والقبس الدولي.
سخّر ناجى العلي موهبته لمراقبة التغيرات السياسية ولخدمة قضيته الفلسطينية وفضح الاحتلال، لم ينس يوما علاقته بلبنان.
حنظلة.. رمز الصمود الفلسطيني
رغم ابتكار “ناجي العلي” للعديد من الشخصيات في لوحاته لانتقاد عدد من القيادات الفلسطينية والعربية، مثل فاطمة العربية، وشخصية جندي الاحتلال طويل الأنف، الذي يظهر مرتبكا أمام حجر صغير في يد طفل فلسطيني، فإنها جميعها لم تنل شهرة “حنظلة”.
“حنظلة “شخصية ابتدعها ناجي العلي وتمثل صبياً في العاشرة من عمره، ورغم تجمد عمره فإن أفكاره وسبل اعتراضه كانت تتطور بتطور الأحداث السياسية، ظهر حنظلة لأول مرة في لوحات ناجي العلي عام 1967 بجريدة “السياسة الكويتية”، وأدار ظهره للعالم مكتفا بوضع يديه خلف ظهره في أعقاب حرب 1973، رفضا للسياسات الأميركية لتسوية القضية الفلسطينية.

اتخذه العلي بمثابة توقيع له على لوحاته، وحصدت الشخصية ثناء الجماهير العربية، وصارت رمزا للصمود الفلسطيني، كان العلي وحنظلة ابني النكبة.
قال عنه ناجي العلي “ولد حنظلة في العاشرة في عمره وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء”.

وأما عن سبب تكتيف يديه فيقول ناجي العلي “كتفته بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأميركية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطيعا”.
لحنظلة وجه آخر يمثل الطفل الفلسطيني الذي يمثل عصب القضية الفلسطينية وشعبها، طفل يواجه الاحتلال ويواجه مصاعب الحياة تحت حكم الاحتلال، وسيظل حنظلة حيا في العاشرة من عمره إلى أن يعود الفلسطينيون إلى وطنهم، تنفيذا لوصية مبتكره ناجي العلي الذي دفن في أرض غريبة بعيدا عن وطنه.
يقول ناجي في حوار أجرته معه الكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، عام 1984، في بودابست: “شخصية هذا الطفل الصغير الحافي هي رمز لطفولتي، أنا تركت فلسطين في هذا السن وما زلت فيها، رغم أن ذلك حدث من 35 عاما، إلا أن تفاصيل هذه المرحلة لا تغيب عن ذاكرتي وأشعر أنني أذكر وأعرف كل عشبة وكل حجر وكل بيت وكل شجرة مرت علي في فلسطين وأنا طفل”.
يضيف: “قدمته للقراء وأسميته حنظلة، كرمز للمرارة، وفي البداية قدمته كطفل فلسطيني، لكنه مع تطور وعيه أصبح له أفقه القومي ثم أفق كوني وإنساني.. وفي المراحل الأولى، رسمته ملتقيا وجها لوجه مع الناس، وكان يحمل الكلاشينكوف، وكان أيضا دائم الحركة وفاعلا وله دور حقيقي، يناقش باللغة العربية والانجليزية، بل أكثر من ذلك، فقد كان يلعب الكاراتيه.. يغني الزجل ويصرخ ويؤذن ويهمس ويبشر بالثورة”.
وردا على سؤال متى يمكن رؤية حنظلة؟ يجيب ناجي:” عندما تصبح الكرامة غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته”.
وفي رسم آخر لناجي ترك “حنظلة” في العراء يداه للخلف ووجهة صوب مسدس مصوب إلى مجهول وفوق المسدس حمامة تقول: لا.. للاغتيالات السياسية “كان يصرخ في مواجهة الموت، ولكن لم يستسلم ولم يفقد صوته.
لمزيد من الأخبار زوروا موقعنا: الوسط العربي وللتواصل الاجتماعي تابعنا على فيسبوك الوسط العربي
