خرائط بلا شعوب

مهدى مصطفى
فى خضم التبشير المفرط بميلاد شرق أوسط جديد، يتصرف بعض الكتاب والباحثين كأنهم مندوبو مبيعات لشركة وهمية، يعرضون خرائط سياسية حديثة، مرفقة بضمانات عن مستقبل مزدهر لا وجود له إلا فى الخيال.
يصفون مزايا الإصدار الجديد من الإقليم، كما لو كان هاتفا ذكيا، ويؤكدون فيه أن إسرائيل ستكون المعالج المركزى الذى لا ينهض الشرق إلا ببصمته «الذكية»، ثم توسوس أنفسهم بأن الشعوب العربية ليست إلا إكسسوارات قابلة للاستبدال فى أى لحظة.
يكتبون بنبرة الخبير الذى لا يعرف شيئا عن الشوارع التى تسير على هامش التاريخ، ولا عن الدول التى تصمد رغم توقعاتهم المتشائمة، والمشهد يبدو مثيرا للسخرية، كأن الجالسين فى مقاعد المتفرجين قرروا فجأة أنهم أصحاب المسرح، وهم وحدهم يعرفون نهاية الفصل الأخير.
انتشرت كتابات تتبنى التبشير بوضع جديد للإرث العربى، كأن المنطقة تدخل مرحلة يعاد فيها تعريف الدولة، وحدود النفوذ، ومراكز القوة، ويتم تقديم هذا التحول بوصفه قدرا محتوما، أو ميراثا طالما انتظرته قوى خارجية منذ عقود، وكأن الشعوب والدول ليست سوى خلفية لإعادة رسم خريطة لا تزال عالقة فى مخيلة الغرب.
فى هذا السياق، يظهر توماس باراك، مبعوث ترامب إلى لبنان وسوريا، بخطاب يفصل المنطقة العربية عن مفهوم الدولة الحديثة، كما عرفها الألمانى ماكس فيبر، ويصفها بأنها فضاء من عشائر وقبائل وأفراد، تشكلت معالمها السياسية على أيدى فرنسا وبريطانيا بعد سقوط الخلافة العثمانية، وهو بذلك يستحضر رؤية استشراقية ترى الشرق عاريا أمام من يراقبه من بعيد، كأن أبناءه لا يعرفونه، أو كأن مصيره صار ملكا لمن ينظر من وراء البحار، وكأن تاريخه مادة قابلة للتشكيل دون مقاومة.
حتى لو بدا ذكر اسم باراك فى مراسلات الملياردير جيفرى إبستين مجرد تفصيل هامشى، فإن موقعه فى سردية المنطقة يعيدنا إلى تقليد المستشرقين الذين ظنوا أنهم يعرفون أوطاننا أكثر منا، وأن بمقدورهم رسم مستقبلها وفق مصالح بلدانهم أو أوهامهم، دون أن يدركوا أن الزمن العربى يكتب نفسه من الداخل، ببطء وثبات، رغم الضجيج الخارجي.
خطاب باراك يعكس قناعة دوائر سياسية ترى الشرق الأوسط فراغا يمكن لغير أهله أن يملأوه.
بعض هذه الدوائر تتحدث بنبرة الإمبراطوريات القديمة، وبعضها يستحضر أساطير عمرها آلاف السنين لتبرير مزاعم تاريخية، وبعضها يتخيل إمكانية استعادة نفوذ إمبراطورى فى ظل سيولة غير مسبوقة فى الإقليم، كأن الأمر مسرحية تعرض على خشبة زمانية مفتوحة، بلا ممثلين أصليين.
لم يعد أحد يتحدث فى الخفاء، أو يكتفى بأرشيف سرى، فالجميع يكشف أفكاره علنا، وأصبح بعض من يسمون أنفسهم محللين وكتابا يحتلون مواقع مرموقة فى المشهد الجديد، يكتبون كمبشرين بخرائط ما بعد السابع من أكتوبر، ويصورون إسرائيل على أنها القلب النابض للشرق الأوسط، والركن الراسخ فى معادلة القوى الجديدة، والوريث الحتمى لإرث الإقليم فى إطار تحالف إقليمى غربى تقوده الإستراتيجية الأمريكية، ويغفلون أن التاريخ الحقيقى لا يكتبه سوى أبناء الأرض العارفين بشرايينها ومفاصلها.
تستند هذه الكتابات إلى سردية تدعى أن إسرائيل هى القوة المحورية فى تحالف إقليمى جديد، يمتلك الحق فى الإمساك برقبة الشرق، كأن القدر الجغرافى تحول إلى أداة سياسية، كأن التاريخ وأرواح الشعوب مجرد أوراق على طاولة النقاش.
أحيانا تبدو هذه الكتابة كمن يضع السم فى العسل: تصف إسرائيل كقائدة حتمية لا بد من الرضوخ لها، أو كضلع فى مثلث يتحكم بمصير الإقليم إلى الأبد، كأن شعوب المنطقة، وتجارب دولها قابلة للاختزال فى خطاب يتحول إلى نبوءة، تصاغ عبر التكرار فى مقالات الصحف وحلقات النقاش، بينما الواقع يؤكد أن التاريخ ليس حكاية تروى من بعيد.
فى الختام، تظل هذه السرديات محاولة لكتابة مستقبل المنطقة من خارجها، كأن الشرق الأوسط صفحة بيضاء تنتظر من يخط المصير عليها.
الخبرة التاريخية تثبت أن الدول التى استعادت ذاتها لن تسمح لأحد بأن يكتب إرث الإقليم نيابة عنها، فموقعها فى قلب المنطقة يجعلها حجر التوازن الأخير، ونموذجا للدولة الوطنية الراسخة التى تعيد تعريف القوة بمعناها الأصيل: قوة تحمى الحيز العربى، وتثبت أن الشرق ليس تركة معروضة فى مزاد الجغرافيا، إنما تاريخ حى تصنعه الشعوب، وأن أى محاولة لفرض سردية خارجية ستصطدم بلحظة مصيرية، يندم عليها أولئك الذين خططوا لكتابة مستقبل المنطقة بأقلامهم المكسورة.
