إعمار بلا ابتزاز ولا خذلان

كتب د. حسام أحمد قاسم
تعرض سكان قطاع غزة على مدار العامين الماضيين إلى أسوأ حرب إبادة وتجويع في القرن الحادي والعشرين. ولم تكن تلك الفاجعة لتحدث لو قام العرب بواجبهم المنتظر في نصرة إخوانهم، لا سيما أن الحرب تحدث نيابة عنهم؛ حفاظا على مقدساتهم من ناحية، وإشغالا للعدو المشترك عن التوجه المباشر إلى دول أخرى من دولهم، إذا فرغ من أهل فلسطين من ناحية ثانية.
ولا يمكن أن يجد المتأمل في هذا المشهد للعرب [على مستوى آحاد الناس] شيئا من العذر إلا بوجود شبهة اضطرار وقع فيها الكثير من العرب والمسلمين الذين لم يستطيعوا حيلة ولم يجدوا سبيلا؛ ولذا حدث ما حدث وعيونهم تفيض من الدمع حزنا ألا يستطيعوا نصرة إخوانهم وهم يعلمون أنهم لا يحل لهم أن يسلموهم أو يخذلوهم، وأن ذلك يضر بإيمانهم بقدر ما يضر بأمنهم.
وعلى الرغم من أن فكرة الضرورة قد تكون موضع خلاف، فلا خلاف على أن الضرورة تقدر بقدرها وأن عدم التمكن من العون الكامل وقت الحرب لا يعني عدم قيام كل منا بأقصى ما يستطيع بعد أن خفت شدتها، لا سيما أن المواساة الآن أكثر أهمية، لأسباب كثيرة منها أن الإحساس بالفواجع والمواجع سيزيد بعد عودة المرابطين النازحين إلى الديار المهدمة وقد خلت من الأحبة، ومنها أن فورة الصبر التي تصاحب الأزمات تتراجع إذا استمرت هذه المواجع، ومنها أن الخوف من ضياع التضحيات الكبرى محبط، لا سيما أن خطة العدو الحقيقية التي يمارسها منذ سنوات هي جعل الحياة في غزة مستحيلة وعدم التدخل السريع والحاسم لدعم أهل الرباط يجعل هذا الهدف ممكنا.
ولا يشك كاتب هذه السطور في أن قطاعا كبيرا من العرب والمسلمين صادق في رغبته في بذل أقصى ما يستطيع لعلاج ما سبق من تقصير، وتفادي ما قد يحدث إذا نجح العدو في الاستمرار في جعل الحياة في غزة مستحيلة.
ولهذه الثقة في رغبة الأمة في علاج تقصيرها أسباب كثيرة أيضا، منها أن غياب مثل هذه الرغبة يعني انعداما تاما للرشد، وتضحية بالأمن القومي للجميع وتفريطا في الثوابت والمقدسات، كما يعني قبل ذلك كله وجود أزمة إيمانية كبرى فأهل غزة هم أهل الرباط، بل هم خيرة المرابطين، وعونهم فريضة، بل إنه واجب الوقت الذي لا يسبقه الآن شيء من الفروض والواجبات، وأحسب أن مثل هذه الأزمة الإيمانية العامة ليست قائمة، ولن تكون قائمة إن شاء الله، ومن ثم فإن لدى قطاعات كبيرة رغبة في القيام بما يلزمهم القيام به، والتوبة من تقصيرهم الذي ربما كانوا قد اضطروا إليه.
ولا يشك الراغب في تحقيق نتائج سريعة ملموسة في أن ترك إعمار غزة للحكومات بشكل كامل حيث تسيطر الحسابات السياسية، والمخاوف من أعوان العدو يمثل مجازفة كبرى، وتعريضا للصامدين للابتزاز مما قد يضيع ثمار التضحيات الجسيمة التي قدموها؛ ولذلك فإن على الشعوب أن تأخذ زمام المبادرة.
وهذا الأخذ بزمام المبادرة أمر سهل إذا تمكنا من تنظيم الجهود الفردية للمجموعات التي سيدفعها إيمانها وإنسانيتها للتحرك، فنسبة أهل غزة إلى عموم الأمة واحد في الألف تقريبا، وليس منطقيا أن يعجز الألف عن القيام بواحد، ويفشل الملياران في تثبيت مليوني مرابط يدافعون بدمائهم عن مقدساتنا، ويحمون الكثير من دولنا من أن يتفرغ لها العدو؛ ولذلك فإن هذا المقال يقترح فكرة بسيطة، يمكن وصفها بأنه واقعية سهلة التنفيذ، وبأن من شأنها أن تقدم مساعدة حاسمة في تحقيق الإعمار دون مَنٍّ ولا أذى ولا ابتزاز يجبرهم عن التنازل عن ثابتهم.
ومؤدى هذه الفكرة إنشاء هيئة شعبية عربية إسلامية عالمية مستقلة ذات كفاءة ومصداقية تقوم بثلاثة أمور:
الأول: تقديم دعم مناسب ومستقر وعاجل للفئات الأولى بالرعاية .
الثاني: إيجاد عدد كبير من فرص العمل بشكل سريع لسكان القطاع.
الثالث: إنشاء عشرين تجمعا سكنيا كبيرا بشكل عاجل على أراض فضاء لا تحتاج إلى إزالة الركام من عليها لتكون سكنا مناسبا لكثير من الأسر التي فقدت سكنها، ودورا لرعاية اليتامى وكبار السن الذين فقدوا من يعولهم أو من يقوم بخدمتهم.
وفيما يلي بيان بوصف المستهدف، وتحديد الطريقة العملية للتمويل وكيفية التنفيذ وإجراءاته.
أولا وصف المستهدف:
يستهدف المشروع إنشاء 20 تجمعا سكنيا في أراض فضاء يحددها المسئولون بغزة بحيث تكون قريبة من المدن المدمرة لإقامة الشجاعية الجديدة، وجباليا الجديدة، وتل الهوى الجديدة… يحتوي كل تجمع منها على مائتين وخمسين عمارة سكنية، كل منها سبعة طوابق، وكل طابق أربع شقق، ليكون مجموع شقق كل تجمع سبعة آلاف شقة، ومجموع شقق التجمعات العشرين مائة وأربعين ألف شقة ذات مساحة كبيرة، وتصميم متميز وتشطيب مناسب.
تخصص مائة ألف شقة سكنا للأسر المنكوبة وفق معايير واضحة، وعشرون ألفا تمثل شقق الدور الأرضي تخصص لدور لرعاية اليتامى، بنظام الأمهات البديلة، وكذلك لرعاية كبار السن وتقديم الخدمات الاجتماعية الأخرى.
أما العشرون ألف شقة التي تمثل الدور الأخير في كل عمارة فتمنح لشركات المقاولات المنفذة لبيعها للقادرين من أهل القطاع كجزء من تمويل المشروع وستأتي التفاصيل التي تحدد بقية عناصر التمويل.
ومن المطلوب أن يحتوي كل تجمع على سبعة مساجد كبيرة، وخمس مدارس للتعليم قبل الجامعي، يسلم بعضها للأونروا، كما يحتوي على عدد مناسب من المتاجر وأماكن الترفيه. بحيث يكون عائد إيجار المتاجر وقفا لصالح دور الرعاية بوصفه جزءا من تمويلها.
أما دور الرعاية فتتبع لمؤسسات خاصة توظف أمهات بديلة ترعى كل منهن أربعة يتامى في مقابل راتب شهري مناسب إضافة إلى كل تكاليف المعيشة، والأمر كذلك مع دور رعاية كبار السن، وبهذا تسهم هذه الهيئة بشكل كبير في زيادة نسبة التوظيف في القطاع، لا سيما بين النساء حيث تقل فرص العمل لهن.
وكما يفضل اختيار أرض فضاء للبدء في التنفيذ سريعا، فإنه يفضل اختيار أماكن مناسبة لتعتمد بشكل أكبر في توفير الماء والكهرباء على الشراء من مصر وليس الاعتماد على داخل القطاع أو الاستيراد من الكيان الصهيوني.
ثانيا التمويل:
تسعى الهيئة بشكل عاجل إلى إيجاد فرص عمل لعشرين ألفا من شباب القطاع في بعض الدول العربية والإسلامية ذات الدخول المرتفعة مثل قطر والكويت وسلطنة عمان وماليزيا … وغيرها من الدول التي يستجيب القطاع الخاص فيها بسرعة للمبادرة، على أن يلتزم المرشحون للوظيفة بدفع عشرة في المائة من رواتبهم للهيئة المسئولة عن المشروع.
تدعو الهيئة المسئولة عن المشروع جميع العاملين في الدول العربية والإسلامية والراغبين حول العالم للتبرع شهريا بنسبة واحد في المائة من رواتبهم لمدة عشر سنوات لصالح إنجاز هذا المشروع، ومن المتوقع أن يستجيب لذلك الطلب عدد كبير من العاملين بحيث يقدم ذلك تمويلا ثابتا كافيا يمكن الاقتراض على أساسه.
تستصدر الهيئة من الجهات الإسلامية ومن علماء المسلمين الفتاوى الصحيحة القائلة بأن المصرف الأهم الآن للزكاة هو تثبيت المرابطين في بلادهم، فهم على أقل تقدير الأولى بسهم (في سبيل الله) من مصارف الزكاة. كما تسعى لاستصدار الموافقات اللازمة لتحصيل مؤسسي للتبرعات الشهرية في كافة الدول.
تسعى الهيئة لأن تكون تكلفة إنشاء المساجد والمدارس من خلال الدعوة لأن تكون أوقافا لمن يشاء في أرض الرباط، ولا شك أنه سيتم تمويل هذه الأوقاف بأسرع ما يمكن.
بعد اتضاح نسبة العائد من تبرع (الواحد في المائة من الرواتب) تقترض الهيئة قروضا حسنة من البنوك الإسلامية والمؤسسات التي تقبل بكون القروض دون فوائد، بحيث يكون التمويل جاهزا بأسرع ما يكون فلا يستغرق المشروع أكثر من عام واحد من بداية التنفيذ. وتقدم الهيئة للمقرضين خدمة دعائية تعويضا عن الفائدة، أما أصل الدين فسوف يرد في مواعيده من خلال العائد الدوري.
يُسْنَدُ التنفيذ لعدد كبير من شركات المقاولات الكبرى الإقليمية والعالمية بحيث يكون سريعا ومحققا للهدف منه.
وفي حالة زيادة التمويل وهو متوقع إذا أحسن تشكيل الهيئة والدعاية لها ووضع قواعد تدعم الثقة فيها، يمكن تنفيذ مرحلة ثانية وثالثة حتى يتم إنشاء غزة الجديدة. ولذلك فمن المهم أن تشمل قيادة الهيئة شخصيات تحظى بقدرات وثقة وسلطة معنوية، من قبيل الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر، ورئيس الجمهورية التونسية الأسبق المنصف المرزوقي، ورئيس الوزراء التركي السابق أحمد داوود أغلو، والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، والأمين العام للمبادرة الفلسطينية مصطفى البرغوثي إضافة إلى عدد من كبار الإعلاميين والمؤثرين والنشطاء الدوليين ورجال الأعمال المشهود لهم إضافة إلى عدد كبير من الشباب وقيادات ورموز الداخل الفلسطيني، على أن يسند الجانب التنفيذي لشباب موثوق في قدراتهم.
واستجابة للخصوصية الثقافية العربية فإن الهيئة العامة يجب أن تعتمد في جمع التبرعات وفي الحصول على الموافقات بالخصم وتحصيل سهم (في سبيل الله) من الزكاة على هيئات محلية تتسابق في الخير، وتحاول كل منها ألا تكون مسبوقة. على أن يكون العمل كله تطوعيا. وأكاد أزعم – على سبيل المثال- أن المجموعة المصرية لن تسمح بأن تكون مسبوقة على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة.
وسوف يمد كاتب هذه السطور الهيئة بما يتطلبه تحقيق الأهداف السابقة من الدراسات والفتاوى بحيث تصبح قدراتها أكبر من أهدافها، فالأمة لا تزال بخير، وستظل إن شاء الله، ولكن ينقصها إدارة الجهد والتنظيم من قبل أمناء أقوياء، ووجود أمل في إنجاز شيء ملموس.
وفي الختام لا يجوز افتراض صعوبة تنفيذ ما سبق، فنحن ننتمي لثقافة وصلت الأوقاف في بعض بلدانها في بعض الأوقات إلى نصف الأراضي الزراعية، وسبب ذلك أن للأفكار والإيمان عوائد اقتصادية كبرى، وأن أفكارا من قبيل: أن عمل الإنسان ينقطع بعد موته غالبا إلا من الصدقة الجارية، وأن ما ينفقه الإنسان من المال يبلى إلا ما يرسله إلى دار البقاء، وأن خير الجهاد الرباط، وخير المرابطين أهل عسقلان، وأن من جهز مجاهدا فله مثل أجره، كانت وستظل ذات مردود مالي كبير جدا إذا أحسنا الإفادة منها.
وقد قام كاتب هذه السطور من قبل بتجريب الدعوة إلى فكرة التبرع بنسبة من الراتب أثناء الانتفاضة الثانية وكانت نسبة الموقعين على الطلب مائة في المائة من المدعوين للتوقيع مع أن عددهم كان كبيرا، غير أن الفكرة لم تنفذ حيث تركت في يد بعض أعضاء مجلس الشعب الذي أخذ التفويضات ثم لم يتحرك لتنفيذها.
وإذا كانت العينة في التجربة السابقة غير دالة، لأنها لم تكن عشوائية، فإن نجاح الدعوة الحالية متوقع تماما، حيث إن ما تستهدفه هذه المبادرة لا يزيد عن عشر العاملين في بلادنا لا مائة في المائة منهم، في ظل ذلك الزخم والأمل الذي آثاره الطوفان المبارك، والخير في هذه الأمة باق إلى يوم القيامة، والمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله، وحاجتنا إلى التوبة ومصالحة المرابطين فوق الوصف، والقدس في شغاف القلوب. ولكل ذلك وغيره أزعم أن هذه المبادرة لو وجدت من يحسن القيام عليها فسيكون نجاحها بفضله تعالى وبركته كبيرا، وبذلك لا يقع الأحبة في الابتزاز ويشعرون بدفء مشاعر إخوانهم فيسامحونهم، ويزدادون ثباتا على ثباتهم.
وإذا كان النجاح شبه مؤكد إن شاء تعالى إذا تشكلت هيئة عامة وهيئات محلية مناسبة تتفادى المعوقات وتحسن استغلال الفرص وصناعتها، فإن هذا النجاح سيكون مؤكدا وناجعا وشاملا إذا ما استطاعت مجتمعاتنا أن تتفادى عناصر النزاع الداخلي المؤدية للفشل ولذهاب ريحها، على الرغم من عناصر القوة الهائلة التي تمتلكها، وسوف أخصص بمشيئته تعالى عدة مقالات لاحقة لتحديد عناصر النزاع تلك، وبيان طرق عملية سهلة لتفاديها.
