هيومن رايتس ووتش: التهجير القسري الذي نفذته السلطات الإسرائيلية خلال عامين يتجاوز ما تم خلال ستين عاماً منذ ١٩٦٧

في أوائل عام 2025، وجد نديم وهو اسم مستعار لرجل يبلغ من العمر 60 عاماً وأبٌ لأربعة أطفال، نفسه مضطراً إلى الفرار من مخيم طولكرم للاجئين في الضفة الغربية المحتلة، عندما اقتحمت القوات العسكرية الإسرائيلية المخيم ودهمت منزله.
يقول نديم لـ”هيومن رايتس ووتش” إن الجنود الإسرائيليين كبّلوه بـ”أصفاد بلاستيكية”، وفتشوا ممتلكاته، ثم أمروه هو وعائلته بالمغادرة، محذرين من أنه إذا اتجهوا يميناً أو يساراً فسيكونون هدفاً لقناصة إسرائيليين متمركزين في مواقع مرتفعة قريبة.
وبدون وجهة واضحة أو أي معلومات عن الملاجئ المتاحة أو المساعدات الإنسانية، لم يجد نديم وعائلته ملاذاً سوى مسجد محلي فتح أبوابه للنازحين من المخيم. وحتى اليوم، لم يتمكنوا من العودة إلى منزلهم، ويكافحون للعيش في مكان آخر داخل الضفة الغربية.
قصة نديم هي واحدة من آلاف، بحسب التقرير الجديد الصادم الذي نشرته “هيومن رايتس ووتش” اليوم الخميس 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 من القدس، والذي تشير فيه إلى أن التهجير القسري الذي نفذته السلطات الإسرائيلية في ثلاثة مخيمات للاجئين في الضفة الغربية في كانون الثاني/ يناير، وشباط/فبراير 2025 يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
التقرير الصادر في 105 صفحات، بعنوان “’ضاعت كل أحلامي‘: تهجير إسرائيل القسري للفلسطينيين في الضفة الغربية”، يرصد الأثر الكارثي الإنساني لعملية “السور الحديدي”، وهي العملية العسكرية الإسرائيلية التي شملت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس للاجئين، بدأت في 21 يناير/كانون الثاني 2025، بعد أيام من إعلان وقف موقت لإطلاق النار في غزة.
هذه العملية الواسعة جاءت بعد أشهر من اشتباكات محدودة بين القوات الإسرائيلية ومقاتلين فلسطينيين في المخيمات الثلاثة، إضافة إلى اشتباكات صغيرة النطاق في الأيام التي سبقت العملية وخلالها.
تقول “هيومن رايتس ووتش” إن هذه العملية أفرغت المخيمات الثلاثة من معظم سكانها، في أكبر عملية تهجير للفلسطينيين في الضفة الغربية في عملية واحدة منذ حرب عام 1967. وبعد عشرة أشهر على العملية، لا تزال المخيمات شبه خالية، مع بقاء نحو 32 ألف شخص في حالة نزوح مستمر.
فهؤلاء الذين نزحوا قسراً لا يزالون ممنوعين من العودة، رغم توقف العمليات العسكرية في محيطهم. وبرغم حجم المأساة لم يتصدروا عناوين الأخبار، أو حتى هوامشها، ولم يجذبوا الاهتمام العالمي.
وبحسب التقرير فقد أصدرت القوات الإسرائيلية أوامر مفاجئة للمدنيين بمغادرة منازلهم، بسبل شملت استخدام مكبرات الصوت المثبتة على مسيّرات. وقال شهود عيان إن الجنود تحركوا بشكل ممنهج في أنحاء المخيمات، واقتحموا المنازل، ونهبوا الممتلكات، واستجوبوا السكان، وأجبروا في النهاية جميع العائلات على الخروج.
تقول الباحثة الأولى في حقوق اللاجئين والمهاجرين في “هيومن رايتس ووتش”، نادية هاردمان: “في أوائل 2025، أجلت السلطات الإسرائيلية 32 ألف فلسطيني قسراً من منازلهم في مخيمات اللاجئين بالضفة الغربية من دون مراعاة للحماية القانونية الدولية، ولم تسمح لهم بالعودة. مع انصباب الاهتمام العالمي على غزة، ارتكبت القوات الإسرائيلية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتطهيراً عرقياً في الضفة الغربية، وهي جرائم ينبغي التحقيق فيها ومقاضاة مرتكبيها”.
التقرير حلّل صور أقمار صناعية وأوامر هدم عسكرية. تُظهر الصور بوضوح تدميراً واسع المدى بعد ستة أشهر من الهجمات، حيث دُمّر أكثر من 850 منزلاً أو لحقت بها أضرار جسيمة، إلا أن تقييم “يونوسات” التابع للأمم المتحدة، قدّر لاحقاً عدد المباني المتضررة بـ 1,460 مبنى.
ولم توفر القوات الإسرائيلية أي مأوى أو مساعدات إنسانية للمهجّرين، الذين لجأ كثيرون منهم إلى مساكن مكتظة، أو إلى المدارس والمساجد والجمعيات. وأفاد شهود بأن الجنود أطلقوا النار على أشخاص حاولوا الوصول إلى منازلهم لجمع متعلقاتهم، فيما أغلق الجيش جميع مداخل المخيمات ووسّع الطرق الداخلية بجرافات ثقيلة.
وقالت امرأة (54 عاماً): “كان الجنود يصرخون ويرمون الأشياء في كل مكان… كان الأمر يبدو كمشهد من فيلم. قال أحدهم: ’لم يعد لديكم منزل هنا. عليكم المغادرة‘”.
بهذا، تضع “هيومن رايتس ووتش” عملية “السور الحديدي” وما رافقها من تهجير وتدمير في قلب ملف أوسع عن شرعية استمرار الاحتلال الإسرائيلي، ونظام القمع الواقع على الفلسطينيين، ومسؤولية المجتمع الدولي عن عدم الاكتفاء بالمراقبة.
