استبدال الإخوان بالجولانية وصولًا إلى نتنياهو والحركة الجنوبية

المحرر السياسى
قام ترامب بتصنيف فروع للإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية دولية وبموجب قرار ترامب فإنه سيفرض على هذه الفروع عقوبات مالية.
تلقف نتنياهو إعلان ترامب سريعًا وعبر عن نيته باستكمال حظر الإخوان المسلمين، أي حظر الحركة الجنوبية، مما أثار ردود فعل متضامنة بالكامل بين القوى السياسية العربية وبعض القوى الصهيونية مثل يائير جولان قائد “الديمقراطيين” – تحالف المعراخ وميرتس.
من الضرورى النظر إلى أمرين، أن القرار يشمل الفروع الإخوانية في الشرق الأوسط حصرًا ولا يطال شبكة الإخوان في أوروبا وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وثانيًا أن القرار يأت بعد تقويم الجولانية.
حقيقة الأمر أن التوجه العام عند الإدارة الأمريكية يقضي بأن الإخوان خرجوا من كل معاركهم بخفي حنين، ولكن الصحوة لم تنته بعد ودخلت في مرحلة جديدة هي الجولانية والتي تعني تعويم الهمجية، لذلك فإن التوجه في الشرق الأوسط هو إخراج الإخوان من الصورة تمامًا ودمج الحركات الإسلامية في الجولانية كأفضل خيارات الإدارة الأمريكية .
منذ صعود الصحوة تصدر الإخوان القيادة السياسية وآلت قيادة الدعوة إلى السلفيين، وبقي القلب النابض للصحوة قطبيًا خالصًا، وعندما أتى وقت المواجهة مع الدول في “الربيع” العربي مُني الإخوان بهزيمة داخل سلطة الدولة في كل المواجهات التي خاضوها.
خيار المواجهة من داخل جهاز الدولة وعبر أدواتها لقي نفورًا داخل التيار الإسلامي نفسه، والجولاني في بداية ظهوره كان ممن انتقدوا الإخوان على ترك “الجهاد”.
هزالة الإخوان كتنظيم غير قادر لا على الانتصار سياسيًا ولا يقود الدعوة ينفي تلقائيًا الحاجة إليه عند الإسلاميين أنفسهم، خاصة بعد أن قام “المجاهدون” بتدشين أكبر نصر صحوي باستيلائهم على سوريا. بالتالي فإن الإخوان فقدوا جاذبيتهم داخل التيار الإسلامي نفسه وعند الحكومات الغربية أيضًا.
أن الحكومات الغربية تحسن إدارة الإسلاميين واستخدامهم.
الجولانية تحظى بتأييد الرئيس الأمريكي الذي يزمع إنشاء قاعدة أمريكية في “سوريا”، والجولاني نفسه لم يظهر كثيرًا من الود التنظيمي (وليس الأيدولوجي) اتجاه الإخوان. فمما يذكر تصريح الجولاني عام 2015 بأن “جبهة النصرة تقوم بتدريس كتب سيد قطب”.
علاقة الجولاني مع الإخوان هي علاقة مزدوجة فهو عمليًا يتبنى القطبية في الفكر بما يلائم واقعه وعملية ترسيخ الهمجية، وفي نفس الوقت تَعتبِر الحركات “الجهادية” أن الإخوان واندماجهم السياسي في أنظمة الحكم أخرجهم من القطبية.
بانتقال مركز الثقل الصحوي إلى الجولانية على أنقاض الإخوان باتت كل الحركات الإسلامية مخيرة بين الاندماج في الجولانية والبقاء على النهج السياسي للإخوان، والأخيرة جاذبيتها أقل بحكم الأمر الواقع.
الجولانية هي مرحلة تعويم الهمجية داخليًا والمهادنة خارجيًا. نستخدم مقولة الهمجية بالمعنى الخلدوني، عند ابن خلدون يمر الجنس البشري بمراحل حتى يصل إلى “العمران”، فالتنظيم الأول قبل العمران هو البداوة، أما الهمجية (أو الوحشية) فهي في مرحلة أدنى، مرحلة تتصف بالأساس بالابتعاد عن “الاجتماع” الإنساني الذي يؤسس لسلطة سياسية.
وبكلمات ابن خلدون نفسه:
“باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقًا وجلبة وكان عندهم ملذوذًا لما فيه من الخروج على ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة”.
وبمعنى معاصر للهمجية، فإننا نقول أنها تعني وجود “سلطة” ميليشياوية، أي حُكم عبارة عن تجمع ميليشياوي أبعد ما يكون عن معاني دولة القانون والتنمية وحتى الحكومة، وتنقسم الرقعة الجغرافية لهذه “السلطة” إلى إقطاعيات ميليشياوية يديرها مجلس ميليشياوي أعلى يسمي نفسه حكومة.
تتركز جهود حُكم الهمج على الأسلمة، وبالتحديد أسلمة المسلمين، أي تقديم تصور جديد للإسلام على نحو ما فعل سيد قطب، وتخريج أجيال وفق هذا التصور.
وعلى الصعيد الخارجي تتصف السلطة الهمجية بالمهادنة وحتى التطبيع لضمان الاستقرار وعدم التخلص منهم بتنسيق دولي.
الجولاني يهادن إقليميًا بمعادلة مكونة من ثلاثة أضلاع: اتفاق أمني مع إسرائيل واعتماد عسكري على تركيا وترزق من الخليج.
هذه الصفات تنطبق على مجمل الحركات الإسلامية المطالبة بالمهادنة مع من يجب مهادنته من عدو أقوى منها، بدون التنازل عن “القيمة” الرئيسية لكل وجودها الأسلمة أو الدعوة.
فقرار ترامب لم يشمل شبكة الإخوان في الغرب، وترك المسألة لتقدير الحكومات المحلية، كما أن الحكومات الغربية تريد ممثلًا للجالية المسلمة يمكن ابتزازه والمساومة معه، مثل تهديد نشطاء من الإخوان بتسليمهم إلى السلطات المصرية في حالة ثبوت تهم تتعلق بخطاب تحريضي.
وفق فيلورينزو فيدينو صاحب كتاب “الإخوان المسلمون الجدد في الغرب” فإن موقف شبكات الإخوان في الغرب التي تشكلت وتنامت منذ هجرة سعيد رمضان إلى ألمانيا الغربية في بداية ستينات القرن المنصرم كان هدفها الأساسي هو الوصاية على الجاليات المسلمة عبر شبكات اقتصادية ودعوية.
يقدم الخطاب الإخواني في الغرب نفسه كمن يندمج في المجتمع، وهذا يجعل الحكومات في “مأزق” بين تصديق الخطاب والتعامل معهم كممثلين لقطاعات تقطن الغرب، وبين الريبة بشأن خطاب يمالئ الصفوة الغربية ويعبد الطريق لل”جهاديين” هناك، ولكن في كل الحالات السلطات الغربية تستفيد من وجودهم كممثلين (قابلين للابتزاز) لقطاعات من السكان.
وفي حالة الداخل الفلسطيني، فمن الصحيح أن تصريح نتنياهو حاليًا على الأقل لن يتحقق لعدم توافر شروط تمكنه من شطب وجود من أرادهم شركاء في حكومته قبل حين ومنعه سموتريش وبن غفير من ذلك.
لنركز في سلوك وردود الحركة الجنوبية نفسها، صرح منصور عباس بأنهم “جزء من إسرائيل”، وأكد رئيس الجنوبية صفوت فريج بأنهم “حركة إسلامية محلية” لا تنتمي تنظيميًا أو سياسيًا إلى الإخوان، ولكنه لم يتحدث عن الجانب الفكري، فمن المعلوم بالضرورة أن فكر الإخوان هو الرحم الذي خرجت منه كل الحركات الإسلامية بتنويعاتها المختلفة، وسيكون من المضحك نفي هذه الصلة.
نجد في رد الجنوبية مكونات المهادنة بالتأكيد على كونهم “جزءًا من إسرائيل” والتمسك بالدعوة (بمفهومها القطبي طبعًا)، ونجد في كل كتابات إسلاميي الداخل ممن لا يشغلون مناصب حساسة، نظرة إيجابية اتجاه الجولاني.
أي أن معادلة الجنوبية حاليًا تقوم على مهادنة الصهيونية بالقدر المتاح مع التصادم وأقلها الفتور في العلاقة مع القوى السياسية العربية بغية لقاء قبول عند مراكز القوى الصهيونية بغية الدخول ضمن ائتلاف حاكم، وطبعًا الحفاظ على شبكة مصالحها على الأرض.
ففي الحالة العينية التي هي الجنوبية الهدف هنا لفت الانتباه إلى المظلة الجديد للصحوة (الجولانية) مع التأكيد أن قرار ترامب هو عملية استبدال للقيادة السياسية للصحوة ونقلها بشكل كامل من الإخوان إلى الجولاني والجولانيين.
