
رامي الشاعر
لا يعني ذلك بالقطع أنها القضايا “الوحيدة”، لكنها، وفقا لرأيي المتواضع، وفيما أظن وأرى، هي القضايا المحورية التي ستؤثر على مستقبل جميع الأطراف في المشهد الدولي. تلك القضايا هي أزمة الغرب وروسيا المعروفة اصطلاحا باسم “الأزمة الأوكرانية”، وأزمة الشرق الأوسط، وأزمة تايوان.
وغني عن التعريف أن الطرف المشترك في هذه الأزمات الثلاث هي الولايات المتحدة الأمريكية، شرطي العالم، وصاحبة الوهم الأكثر استدامة (3 عقود متواصلة) بشأن الهيمنة العالمية، والقطب الواحد.
بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وبينما أعلن ذلك رسميا، ورثت روسيا رسميا كافة التزامات الاتحاد السوفيتي، وسددت جميع ديونه، وبرغم أن جميع الجمهوريات التي كانت منضوية تحت لواء الاتحاد حصلت على الكثير من المزايا والتفضيلات بسبب التكامل الواسع والهائل الذي كان تتمتع به إحدى القوتين العظميين في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ناهيك عن تكامل الاتحاد السوفيتي مع دول حلف وارسو، إلا أن خروج تلك الجمهوريات من الاتحاد مع روسيا لم يكن بذات العدل الذي كانت هذه الجمهوريات تحصل به على كل الدعم وتتمتع بميزات التكامل مع المركز في موسكو.
ربما تكون تلك أحد أهم المشكلات التي تواجهها منطقة آسيا الوسطى وشرق أوروبا، والتي تتجسد في كل من أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا. إلا أن الأهم هو أن الروح التي خرجت بها روسيا من الاتحاد السوفيتي كانت مليئة بالتفاؤل والرغبة في العمل والتعاون مع الشركاء في أوروبا والغرب ومع الولايات المتحدة. لقد استقدمت روسيا خبراء اقتصاديين من الولايات المتحدة، وعملت بكل إخلاص على تحويل الاقتصاد السوفيتي المركزي إلى آليات السوق والتجارة الحرة، وحاولت، من ضمن محاولاتها في ذلك الوقت، أن تنضم حتى إلى “الناتو”، وعملت على آليات التكامل مع أوروبا، بل وفتحت سماواتها للولايات المتحدة خلال الحرب على الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
في المقابل كان “الناتو” يتمدد شرقا، وتشتد “الروسوفوبيا” (رهاب كل ما هو روسي)، وكان الغرب يشحن مواطنيه بسرديات “الفكاك” من روسيا، و”الديكتاتورية” الروسية، وبوتين الذي يريد “غزو” أوروبا. في المقابل شنت أوروبا والغرب حربا هجينة ضد روسيا، واستخدمت في ذلك أوكرانيا بأبنائها وأسلحتها واقتصادها.
لم يتوقف الغرب عند هذا الحد، بل خطط ويؤسس قواعد في آسيا لتهديد الصين والهند، ويلعب في الساحة الخلفية في آسيا الوسطى في محاولة لجذب جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق إلى الفلك الغربي، بصرف النظر عن الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد.
إن وهم الهيمنة العالمية هو ما يدفع الغرب لطرح تسويات للأزمات انطلاقا من “التفوق” و”الاستثنائية”، فأوروبا، بإيعاز ومعلومات مغلوطة من أوكرانيا، لا زالت تتصور أن بإمكان الجيش الأوكراني الصمود أمام اكتساح الجيش الروسي. ولا زالت أوروبا تعيش في وهم “انهيار الاقتصاد الروسي”، و”تغيير النظام الروسي”، لا زالت أوروبا تظن أن ما يقف بينها وبين الهيمنة العالمية روسيا والصين، وأنها ستتخلص من روسيا بواسطة أوكرانيا، لتتفرغ للصين.
وبينما قد يتفهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حقيقة الوضع، بفضل التقارير التي تصله، إلا أن صقور إدارته يأبون الاعتراف بالحقيقة، ولا يرغبون فيما يمكن أن ينقذهم من الهاوية التي هم بصدد السقوط فيها.إقرأ المزيد
إن عملية انتقال العالم إلى التعددية القطبية هي عملية موضوعية تاريخية، ولن يتمكن عاقل من إيقافها أو حتى عرقلتها، وكل ما يحدث سيفضي في النهاية قطعا إلى بزوغ شمس عالم جديد، يقوم على حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، واحترام سيادة الدول، وعودة الحقوق إلى أصحابها.
في الشرق الأوسط، تفيد مصادر مطلعة بأن “حماس” تبدو منفتحة على قضية نزع سلاح الحركة منذ بداية وقف إطلاق النار مع مصر وقطر وتركيا ومع الولايات المتحدة بشكل غير مباشر”، مع التحول التدريجي للعمل السياسي، “بما يحفظ للفلسطينيين الحفاظ على ثوابتهم في ظل المتغيرات التي بات الواقع الجديد يفرضها بعد حرب غزة”.
ويشير النقاش المطروح في ورقة قدّمها بعض قيادات “حماس” إلى “مصالحة فلسطينية شاملة تضمن حماية المستقبل السياسي للحركة”، وإلى إنشاء حزب سياسي لجماعات وقوى سياسية تمثل نهجا سياسيا إسلاميا وطنيا، بغرض المشاركة في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحياتي بشكل عام. ودعا أصحاب ذلك التوجه إلى ضرورة أن يكون العامل السياسي أكثر انفتاحا على ما يجري من تحولات ديناميكية في المنطقة، والتي باتت تربط فرض معادلة السلام بالتنمية والإعمار، مثلما ينص عليه اتفاق وقف إطلاق النار.
وبينما تتعرض “حماس” لضغوط منذ مفاوضات وقف إطلاق النار، وتعرضت فيما قبل إلى هجوم شرس من جانب المجتمع الدولي جراء هجمات السابع من أكتوبر، إلا أن القضية الفلسطينية اليوم أصبحت في بؤرة اهتمام العالم بفضلها، بعد أن فطن العالم أخيرا إلى أن السلام والاستقرار في العالم لن يجد له سبيلا دون حل القضية الفلسطينية حلا عادلا وشاملا وفقا لمقررات الشرعية الدولية على حدود الرابع من حزيران يونيو 1967، وبإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
في الشأن الصيني، حذرت بكين يوم أمس الأربعاء من أنها ستسحق أي محاولات أجنبية للتدخل في شؤون تايوان، بعد إعلان اليابان خططا لنشر صواريخ على جزيرة يوناجوني القريبة من تايوان. وقال المتحدث باسم مكتب شؤون تايوان في الصين بينغ تشينجن، في مؤتمر صحفي، إن لدى الصين “إرادة راسخة وعزيمة قوية وقدرة كبيرة، للدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها، وسوف “تسحق” كل التدخلات الأجنبية.
يأتي نشر الصواريخ ضمن استراتيجية “دفاعية” يابانية تهدف لتكثيف الوجود العسكري على جزر الجنوب، في ظل المخاوف من تزايد القوة العسكرية الصينية واحتمالات اندلاع اشتباكات حول تايوان. ويتزامن التصعيد الدبلوماسي مع مذكرة قدمتها الصين إلى الأمم المتحدة، حذرت فيها من اتخاذها “دفاعا ذاتيا حازما” إذا “تجرأت اليابان على التدخل عسكريا في مضيق تايوان”، في رسالة تهدف إلى حشد دعم دولي لموقف بكين تجاه الجزيرة التي تعد أرضا صينية ضمن مبدأ “صين واحدة”.
هي الولايات المتحدة إذن. تشعر إدارتها أن سرعة النمو الاقتصادي الصيني، وسرعة ونطاق ظهور مراكز اقتصادية جديدة حول العالم، يسحب من رصيد قوتها وهيمنتها، لهذا يرى صقور هذه الإدارة أن المواجهة حتمية، ويتعين استخدام الذراع التايواني مع الصين. يشعر صقور الإدارة كذلك، وبالقصور الذاتي من الإدارة السابقة، أن روسيا تمثل تهديدا برؤوسها النووية، وتحالفها مع الصين وكوريا الشمالية، لذلك يرى هؤلاء ضرورة استخدام الذراع الأوكراني مع روسيا. وفي الشرق الأوسط، تستخدم الولايات المتحدة الذراع الإسرائيلي لفرض أجندتها وهيمنتها على المنطقة، دون الوضع في الاعتبار لحساسية وتعقيد وعمق الأزمة الشرق أوسطية.
واقع الأمر أن القضية أبعد من أوكرانيا وفلسطين وتايوان. القضية هي أفول نظام عالمي تأسس على أنقاض الحرب العالمية الثانية، وتم تعديله بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي، ولم يعد قادرا على البقاء بعد اختلاف موازين القوى الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وأصبح من الضروري بل والحتمي نشوء نظام عالمي جديد، أتصور أنه التعددية القطبية، بما يحمله ذلك من إعادة هيكلة لهيئة الأمم المتحدة التي نشأت على أساس موازين القوى بعد الحرب العالمية الثانية، بما يضمن تشكيلا أوسع، ومزيدا من العدل والمشاركة من الجميع على قدم المساواة. ويجسد هذه المعضلة تلك القضايا الثلاث ضمن قضايا أخرى كثيرة وأيضا معقدة يتعين النظر إليها وحلها حفاظا على الأمن والسلام الدوليين.
