إبداعات عربيةمتنوعات

ليلة سقوط القاهرة بيد العثمانيين 

يصف المؤرخ المصري ابن اياس مشهد دخول العثمانيين بعد فرار طومان باي وجيشه قائلاً: “ثم إن جماعة من العُثمانية لما هرب السلطان، دخلوا إلى القاهرة وقد ملكوها بالسيف عنوة، فتوجهت جماعة من العُثمانية إلى المقشرة (السجن) وأحرقوا بابها وأخرجوا مَن كان بها من المحابيس، ثم توجهوا إلى بيت خاير بك أحد المقدّمين فنهبوا ما فيه وكذلك بيت يونس الترجمان، وكذلك بيوت جماعة من الأُمراء وأعيان المُباشرين ومساتير الناس، وصار الزُّعر (جمع أزعر) والغلمان ينهبون البيوت في حجة العثمانية، فانطلق في أهل مصر جمرة نار”، والجملة الأخيرة كناية عن الهلع الذي دبَّ في قلوب الناس.

ولم يكتفِ العثمانيون بسرقة البيوت وحرق السجون، بل إن ابن إياس يستطرد في سرد تفننهم في السطو على كل ما يلوح أمام أعينهم فيقول: “ثم دخلت جماعة من العثمانية إلى الطواحين وأخذوا ما فيها من البغال، وأخذوا عدة جمال من جمال السقايين. وصار العثمانيون ينهبون ما يلوح لهم من القماش وغير ذلك، وصاروا يخطفون جماعة من الصبيان المرد والعبيد السود، واستمر النهب عمّالاً في ذلك اليوم إلى بعد المغرب، ثم توجهوا إلى شون القمح التي بمصر وبولاق فنهبوا ما فيها من الغلال”.

وفي موضع آخر، يُخبر عن استمرار عمليات النهب: “وصاروا ينهبون بيوت الناس حتى بيوت الأرباع بحجة أنهم يُفتشون على المماليك الجراكسة، فاستمر النهب والهجم عمّالاً في البيوت ثلاثة أيام متوالية، وهم ينهبون القماش والخيول والبغال من بيوت الأُمراء والعسكر فما أبقوا في ذلك ممكن”.

كما يصور ابن إياس الوحشية الانتقامية لدى العثمانيين، فمثلاً حين قبضوا على الأتابكي سودون الدوادري وهو في حالة يُرثى لها: “أركبه (ابن عثمان) على حمار وألبسه عمامة زرقاء وجرّسه في وطاقة وقصد يُشهره في القاهرة، فمات وهو على ظهر الحمار، وقيل حزّوا رأسه بعد الموت وعلقوها في الوطاق”! ووصل الأمر بهم إلى تفتيش المقابر ليقتلوا المُختبئين فيها: “وصاروا يكبسون التُرب ويقبضون على المماليك الجراكسة منها، وكل تربة وجد فيها مملوك جركسي حزّوا رأسه ورأس مَن بالتربة من الحجازيين وغيرها، ويعلقون رؤوسهم في الوطاق”.

وينتقل المؤرخ المصري بين الأحداث ذاكراً المجازر التي لم تستثنِ أحداً: “ثم إن العثمانية طفشت في العوام والغلمان من الزُّعر وغير ذلك، ولعبوا فيهم بالسيف وراح الصالح بالطالح، وربما عوقب من لا جنى، فصارت جثثهم مرمية على الطرقات من باب زويلة إلى الرملة ومن الرملة إلى الصليبة إلى قناطر السباع إلى الناصرية إلى مصر العتيقة، فكان مَقدار من قُتل في هذه الوقعة فوق العشرة آلاف إنسان في مدة هذه الأربعة أيام”. ويأتي على مصير الجثث، مع كل مجزرة، فيقول: “وصارت الجُثث مرمية في الرملة إلى سوق الخيل وقد تناهشت الكلاب أجسادهم”.

كان جند بني عثمان يقذفون الرعب في الناس لِمَا اتسمت به شخصيتهم من عنف وشراسة، فقد وصفهم ابن إياس: “عساكر العُثمانلية كانوا جعانين (جياعاً) وعندهم عفاشة زائدة وقلة دين، كانوا همجاً”، وذلك لما رآه من فنون النهب الذي مارسوه في مصر ومن قبلها في حلب: “انفتحت للعثمانية كنوز الأرض بمصر من نهب قماش وخيول وبغال وجوارٍ وعبيد وغير ذلك من كل شيء فاخر، واحتووا على أموال وقماش ما فرحوا بها قط في بلادهم ولا أستاذهم (يقصد سليم شاه)”.

ولم يكتفِ العثمانيون بما نهبوه بل صاروا يساومون الناس على حياتهم: “وصار العثمانيون يمسكون أولاد الناس من الطُرقات ويقولون لهم أنتم جراكسة، فيشهدون عندهم الناس أنهم ما هم مماليك جراكسة، فيقولون لهم: اشتروا أنفسكم منا من القتل، فيأخذون منهم بحسبما يختارون من المبلغ، وصار أهل مصر تحت أسرهم”.

يعيثون في مصر قتلاً وسفكاً ونهباً، ولم تسلم أضرحة أولياء الله الصالحين ولا الأزهر منهم: “وملكوا باب القرافة إلى مشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها، فدخلوا ضريحها وداسوا على قبرها، وأخذوا قناديلها الفضة والشمع الذي كان عندها، وبُسط الزاوية، وقتلوا في مقامها جماعة من المماليك وغير ذلك من الناس الذين كانوا احتموا بها”، ثم صاروا يهاجمون الجوامع ويأخذون منها المماليك الجراكسة، “فهجموا على جامع الأزهر وجامع الحاكم وجامع ابن طولون وغير ذلك من الجوامع والمدارس والمزارات”.

ولم تسلم النساء من بطشهم. يحكي ابن إياس عن واقعة اغتصاب امرأة، لم تكن الأولى، على الملأ من الناس: “إنهم (جند العثمانيين) خطفوا امرأة عند سلم المدرسة المؤيدية وقت الظهر، وفسقوا بها جهاراً عند سبيل المؤيدية تحت دكان الذي يبيع الكعك، والناس ينظرون إليهم وهم يفسقون بها ولم يجسر أحد من الناس أن يخلصها منهم”.

كان المصريون يعانون من ظلم العثمانيين الجاثم على صدورهم، يخشون على حياتهم، فلا يسيرون في الطرقات ليلاً خشية أن تُخطفَ نساؤهم ويُنكل بهن. فمن القصص العجيبة التي يسردها ابن إياس عن وضع المرأة المصرية وقتذاك، أن مجموعة من العثمانيين طعنوا امرأة في شرفها، كانوا يريدون معاشرتها كفتاة ليل، فحكم عليها الوالي العثماني: “بأن تُعرى المرأة من أثوابها، وأن يُكتفوا أيديها وأرجلها، وأن تُربط من رجليها في ذنب إكديش وتُسحب على وجهها من الكدّاشين إلى باب زويلة، ففعلوا ذلك وشقوا بها من القاهرة وقصدوا شنقها على باب زويلة فقيل إنها ماتت أثناء الطريق، وقيل بل غرّقوها في البحر”.

حتى الكلاب لم تسلم من أفاعيل بني عثمان: “إن ملك الأُمراء خاير بك أشهر النداء في القاهرة بأن كل مَن رأى كلباً يقتله ويُعلقه على دكانه، فصارت التراكمة يمسكون الكلاب من الطرقات ويوسّطونها (يقطعونها) نصفين بالسيف، فقتلوا في ذلك اليوم ما لا يُحصى من الكلاب، حتى قيل قتلوا في ذلك اليوم فوق الخمسمائة كلب على ما أُشيع، وصاروا يعلقون الكلاب على الدكاكين ولم يُعلم ما سبب ذلك. ثم أُشيع بأن عادة التراكمة في بلادهم بإسطنبول إذا كثرت عندهم الكلاب في المدينة يقتلون منها في كل سنة جانباً، فصارت عندهم عادة. ثم استمر السيف يعمل في الكلاب يوماً وليلة حتى هجّت الكلاب مما دهاها إلى التُرب والصحاري”.

ظل ابن إياس مصدوماً مما رآه أمام عينيه من فجاجة العثمانيين، حتى شبّه ما حل بمصر بما أحدثه نبوخذ نصر في أورشليم وهولاكو في بغداد: “ولم يُقاسِ أهل مصر شدة مثل هذه قط، إلا أن كان في زمن البخت نصّر (نبوخذ نصر) لمّا أتى من بابل وزحف على البلاد بعسكره وأخربها وهدم بيت المقدس ثم دخل على مصر. ثم وقع بعد ذلك في بغداد في فتنة هولاكو ملك التتار لمّا زحف على بغداد وأخربها وأحرق بيوتها”.

بعد مقتل السلطان المملوكى قنصوه الغورى فى معركة مرج دابق بالشام عام 1516م اختار أمراءُ المماليك فى مصر طومان باى سلطانا ، وأرسل السلطان العثمانى سليم الأول رسالةً إلى طومان باى يعرض عليه الصلح ويبقيه حاكما لمصر تابعا للعثمانيين غير أن طومان باى رفض وأراد الخروج من مصر لقتال العثمانيين ولكنه واجه تخاذلَ المماليك ،

تحصّن طومان باى فى الريدانية قرب القاهرة وحفر حولها خندقا لكن العثمانيين تركوها واتجهوا صوب القاهرة فتبعهم طومان باى والتحم بهم فى 23 يناير 1517م وقَـتل الصدرَ الأعظم بيده ظنًا منه بأنه السلطان العثمانى لكن مع كثرة العثمانيين وقوتهم ومساعدة القائد المملوكى خاير بك للعثمانيين لم يتمكن المماليكُ من وقف زحفهم ففرّ المماليك وانسحب طومان باى نحو القاهرة ،

دخل السلطانُ سليم القاهرة يوم 26 يناير 1517م فى موكبٍ حافل يتقدمه الخليفةُ العباسى لكن طومان باى باغتَهم بعد يومين فى بولاق وجرت معركةٌ طاحنة فى أزقّة المدينة بين العثمانيين والمماليك يساندهم الأهالى المصريون لمدة 4 أيام انتهت لصالح العثمانيين بعد استخدامهم سلاح البنادق ، وفرّ طومان باى وبعضُ أمراء المماليك بينما استسلم الباقون للعثمانيين ،

لم يستسلم طومان باى وراح يشن حملات كرّ وفرّ حتى كاد أن يقتل السلطان العثمانى نفسه بإحدى الغارات فى بولاق ، وكانت المعركة الأخيرة “وردان” بمنطقة امبابة حاليا حيث انكسرت شجاعة المقاومة أمام القوة الهائلة وعتاد العثمانيين الضخم فهرب طومان باى ، وقيل أنه قُتل فى تلك المعارك بشوارع القاهرة أكثر من 50 ألف نسمة!

لجأ طومان باى إلى شيخ الأعراب (حسن بن مرعى) وكان طومان قد أخرجه من السجن أيام عمِّه السلطان قنصوه ولكن الشيخ وشى به وأبلغ عنه السلطان سليم فقبض عليه وأمر بشنقه ،

“عند باب زويلة توقف ركب السلطان الأسير طومان باى فى حراسة 400 جندى من الانكشارية ، وكان مكبَّلا فوق فرسه .. وخرج المصريون ليلقوا نظرة الوداع عليه .. وتطلع طومان باى فرأى حبلا يتدلّى فأدرك أن نهايته قد حانت فترجل وتقدم نحو الباب بخطى ثابتة ثم تلفت إلى الناس وتطلع اليهم طويلا وطلب من الجميع أن يقرؤوا له الفاتحة 3 مرات .. ثم التفت إلى الجلاد وطلب منه أن يقوم بمهمته” تاريخ ابن إياس ، وقد ظلت جثته معلّقة 3 أيام ثم دُفنت فى قبة السلطان الغورى ،

بموتِ طومان باى انتهت دولةُ المماليك وانتهت الخلافة العباسية ، واستتب الأمر للسلطان سليم بمصر والشام وأصبحت مصر ولايةً عثمانية ↓↓

هناك مَن يشكك في شهادة ابن إياس، نظراً لأنه من أصل مملوكي، ولكنه لم ينل طيلة حياته منصباً رفيعاً داخل القصر أو خارجه، على عكس غيره من المؤرخين، رغم من عاصرهم من سلاطين ابتداءً بقايتباي وابنه الأشرف وجنبلاط وطومان باي الأول وقانصوه الغوري وانتهاءً بطومان باي الثاني، وقد نال السلاطين المماليك منه الذم قبل المدح.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى