الهلال الخصيبعاجلملفات

كتبت ريم حسن خليل:

لطالما شكّل الشيعة في لبنان جزءاً أصيلاً من النسيج الإجتماعي والسياسي للبلاد، وكانت مقاومتهم المتواصلة لكل أشكال الإحتلال والطغيان علامة بارزة على ثباتهم الوطني وهويتهم العميقة. يعود تاريخ الشيعة في لبنان إلى العهد العثماني وما قبله، حيث تواجدوا في مناطق جبل عامل، جنوب لبنان، والبقاع، وكسروان، وساهموا في الحياة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للبلاد. لم يكن وجودهم مجرد إمتداد جغرافي، بل كان جزءاً أساسياً من مقاومة القوى الخارجية وحماية المجتمعات المحلية.

خلال فترة حكم أحمد باشا الجزار في أواخر القرن الثامن عشر، تعرضت المجتمعات الشيعية في جبل عامل لمجازر وحشية هدفت إلى قمعهم والسيطرة على مناطقهم، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح في إنهاء مقاومتهم. فقد شكلت مقاومة الشيعة ضد الجزار واحدة من أقوى صور المقاومة الشعبية ضد العثمانيين في لبنان، وأثبتت أن هؤلاء السكان لم يكونوا جماعة هامشية، بل كانوا فاعلين سياسياً وعسكرياً على الأرض. وقد تميّزت مقاومتهم بالثبات والتنظيم المحلي، ما مكّنهم من الحفاظ على مجتمعاتهم وتقاليدهم في مواجهة القمع العثماني، ومع بداية الإحتلال الفرنسي للبنان بعد الحرب العالمية الأولى، لم تتوقف مقاومة الشيعة، بل كانت في طليعة الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار. فقد قام صادق حمزة وأدهم خنجر، من أبرز قيادات المقاومة الشيعية، بتنظيم صفوف المجتمعات المحلية لمواجهة سياسات الإحتلال الفرنسي، مؤكدين أن اللبنانيين الشيعة جزء من المشروع الوطني اللبناني وأن لهم الحق في تقرير مصيرهم. لقد كانت هذه المرحلة علامة فارقة، إذ لم تقتصر المقاومة على المواجهة المسلحة فحسب، بل شملت حماية المجتمع المدني والمساهمة في صياغة خطاب وطني مت حيثكامل يعكس حقبة الاستقلال. ومع تصاعد النزاعات في المنطقة، ولا سيما مع إحتلال إسرائيل لفلسطين وتوغلاتها على الحدود الجنوبية للبنان، لعب الشيعة دوراً مركزياً في مقاومة الإحتلال الإسرائيلي. ظهرت حركات المقاومة المحلية في جنوب لبنان التي خاضت مواجهات مباشرة مع القوات الإسرائيلية، مسجلة تاريخاً طويلاً من التضحية دفاعاً عن الأرض والهوية الوطنية اللبنانية. لقد أثبتت هذه المرحلة أن الشيعة لم يكونوا مجرد طائفة داخلية، بل كانوا جزءاً من النضال الإقليمي والوطني في آنٍ واحد، متصدّين لكل محاولات الهيمنة الخارجية.

رغم هذا التاريخ الطويل والمجيد، تصر بعض التيارات اليمينية المتطرفة، خاصة في الوسط الماروني، على إعادة إنتاج خطاب طائفي يحاول ربط الشيعة بالقوى الإقليمية، وتصويرهم كعنصر خارجي أو غير لبناني. هذه الخطابات، التي تطالب الشيعة ضمنياً بـ “العودة إلى لبنانيتهم”، تتجاهل جذورهم التاريخية ومساهماتهم الوطنية، كما تعيد إنتاج الإنقسامات الطائفية التي شكلت أزمة لبنان السياسية والإجتماعية عبر العقود.

إن قراءة التاريخ السياسي والإجتماعي للشيعة في لبنان تظهر أن المحاولات الطائفية هذه غير منطقية، إذ أن الشيعة مثلهم مثل باقي الطوائف اللبنانية هم جزء أصيل من لبنان. حماية الوحدة الوطنية تتطلب إحترام هذا التنوع التاريخي، وتعزيز المشاركة السياسية المتساوية، والإعتراف بدور كل طائفة في النضال الوطني. ان إستمرار الخطاب الطائفي لا يؤدي إلا إلى تأجيج التوترات وإضعاف النسيج الاجتماعي، بينما الحل يكمن في تعزيز الشراكة والمواطنة المتكاملة، التي تعترف بالهوية الوطنية كعامل موحد يتجاوز الإنقسامات الطائفية الضيقة، ويؤكد أن الدفاع عن لبنان كان وما زال مسؤولية جميع أبنائه، بغض النظر عن الانتماء الطائفي أو الخلفية التاريخية.

زر الذهاب إلى الأعلى