تقرير صحفى يرصد تحول الفاشر لمسرح جريمة كبير

كشف تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية للصحفي مارك تاونسند، ما جرى في مدينة الفاشر بالسودان بعد سقوطها في يد مليشيا الدعم السريع دعم التقرير معلوماته بشهادات موثقة لشهود عيان وبعض الضحايا من واقع الأحداث
يكشف التقرير عن حجم الجريمة غير المسبوقة والانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا بحق المدنيين، إضافة إلى التقديرات الصادمة لأعداد الضحايا والمفقودين.
واصفا المدينة بأنها تشبه مدينة “مسرح جريمة هائلة”، حيث تتكدس أكوام كبيرة من الجثث في شوارعها بينما تعمل مليشيا الدعم السريع على إخفاء الأدلة المتعلقة بحجم المجزرة التي ارتكبتها.
بعد ستة أسابيع من استيلاء المليشيا على المدينة، تشير التحليلات إلى أن الجثث جُمعت في عشرات الأكوام تمهيدا لدفنها في مقابر جماعية أو حرقها في حفر ضخمة.
ومع استمرار عزل عاصمة ولاية شمال دارفور عن العالم الخارجي، بما في ذلك محققي جرائم الحرب التابعين للأمم المتحدة، كشفت الأدلة الفضائية شبكة من حفر الدفن والحرق الجديدة التي يعتقد أنها مخصّصة للتخلص من أعداد كبيرة من الجثث.
وما يزال العدد النهائي لضحايا المجزرة غير معروف، لكن نوابا بريطانيين تلقوا إحاطة تفيد بمقتل ما لا يقل عن 60 ألف شخص في الفاشر.
وقالت سارة تشامبيون، رئيسة لجنة التنمية الدولية في مجلس العموم البريطاني: “تلقى الأعضاء إحاطة خاصة حول السودان، حيث ذكر أحد الأكاديميين: تقديرنا الأدنى هو مقتل 60 ألف شخص هناك خلال الأسابيع الثلاثة الماضية”.
وما يزال ما يصل إلى 150 ألفا من سكان الفاشر في عداد المفقودين منذ سقوط المدينة في يد المليشيا. ولا يُعتقد أنهم غادروا المدينة، ويأتي هذا التطور المروع وسط تكهنات متزايدة التشاؤم بشأن مصيرهم.
وقال ناثانيال ريموند، مدير مختبر بحوث العمل الإنساني بجامعة ييل، الذي يقوم بتحليل صور الأقمار الاصطناعية للفاشر عن قرب، إن المدينة تبدو خالية بشكل مخيف، حيث تحولت الأسواق التي كانت تعج بالحركة إلى أماكن مهجورة.
وتشير أحدث تحليلات جامعة ييل إلى أن الأسواق أصبحت غير مستخدمة إلى حد أنها بدأت تكتسي بالنباتات، وأن جميع المواشي يبدو أنها نُقلت إلى خارج المدينة التي كان عدد سكانها 1.5 مليون قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وقال ريموند: “بدأت تبدو كثيرا مثل مسلخ”.
لم يتمكن أي خبير أو جهة من تفسير مكان عشرات الآلاف من السكان المفقودين منذ أن سقطت الفاشر، آخر معقل رئيسي للجيش في المنطقة، في 26 أكتوبر بعد حصار تجويع وحشي استمر 500 يوم نفذته مليشيا الدعم السريع.
وتحدثت الغارديان إلى مصادر وصفت احتجاز سكان من الفاشر في مراكز اعتقال داخل المدينة، رغم أن أعداد المحتجزين ما تزال قليلة.
كان مسؤولو مليشيا الدعم السريع قد تعهدوا بالسماح للأمم المتحدة بالدخول إلى الفاشر لتقديم المساعدات والتحقيق في الفظائع، لكن حتى الآن ما تزال المدينة محظورة على المنظمات الإنسانية وكذلك على مسؤولي الأمم المتحدة.
وتفيد المعلومات بأن قوافل المساعدات تقف في حالة استعداد في مدن وبلدات مجاورة بينما تستمر المفاوضات من أجل حصول الأمم المتحدة على ضمانات أمنية من المليشيا. وحتى الآن، ترفض المليشيا، التي تخوض عامها الثالث من الحرب مع القوات المسلحة السودانية، منح هذه الضمانات.
وقال مصدر في الأمم المتحدة: “هناك حاجة لتقييم أمني قبل أن نتمكن من التخطيط لإرسال المساعدات. في الوقت الحالي، لا يوجد أي ضمان لعبور آمن أو لحماية المدنيين أو العاملين في المجال الإنساني أو الأصول الإنسانية”.
وبالرغم من عدم اليقين بشأن عدد السكان الذين قد يكونون على قيد الحياة داخل الفاشر، تعتبر الحاجة إلى وصول المساعدات إلى المدينة أمرا بالغ الأهمية، مع الإبلاغ عن “معدلات مذهلة” من سوء التغذية بين من تمكنوا من الفرار. وقد أعلن خبراء دوليون أن المدينة في حالة مجاعة.
وقال ريموند إن بعض السكان الذين فقد فريقه الاتصال بهم لاحقا تواصلوا معهم خلال اليومين الأولين من الهجوم، مدعين مقتل ما يصل إلى 10 آلاف شخص.
يعتقد خبراء حقوق الإنسان الآن أن الفاشر ربما تكون أسوأ جريمة حرب في الحرب الأهلية السودانية التي تتميز أصلا بالفظائع الواسعة وعمليات التطهير العرقي.
على مدى أكثر من 32 شهرا من الحرب المدمرة، تمزق السودان، مع مقتل ما يصل إلى 400 ألف شخص وتشريد ما يقارب 13 مليون. وقد تسبب الصراع في أكبر أزمة إنسانية في العالم.
وفي الوقت نفسه، تجددت الدعوات لإجراء تحقيق شامل في هجوم المليشيا على مخيم زمزم للنازحين الذي يقع على بعد سبعة أميال، أي 12 كيلومترا، جنوب الفاشر قبل ستة أشهر.
ويوثق تقرير جديد لمنظمة العفو الدولية كيف استهدفت المليشيا المدنيين، واحتجزت رهائن، ودمرت المساجد والمدارس خلال الهجوم الواسع على مخيم زمزم. ودعت المنظمة إلى “التحقيق مع المليشيا بتهمة ارتكاب جرائم حرب”.
