إبداعات عربيةعاجل

هل انتهت الماركسية؟

يطرح المؤلف والكاتب المصرى شوقي جلال في هذا كتاب “نهاية الماركسية” سؤالاً إشكالياً يتجاوز مجرد تقييم مدرسة فكرية؛ فهو يتناول الماركسية بوصفها مشروعاً فكرياً وفلسفياً وحركة تاريخية أثّرت بعمق في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ثم يتساءل: هل انتهت الماركسية حقاً أم أنها تشهد تحولاً جوهرياً يفرض إعادة قراءتها؟ ينطلق المؤلف من رؤية تعتبر الفكر كائناً حيّاً يخضع للتطور والتبدل، ويؤكد أنّ أي عقيدة أو مذهب لا يمكن أن يبقى ثابتاً لأن الواقع في حراك دائم، وأن الماركسية ليست استثناء.

المحور الأول: الماركسية بين الفكرة والواقع

يبدأ شوقي جلال بتحليل الفجوة المزمنة بين الفكر والواقع، مشيراً إلى أنّ الماركسية في أصلها ليست عقيدة مغلقة، بل منظومة منهجية لفهم التاريخ، تعتمد على التحليل الجدلي لحركة المجتمع. لكنه يوضح أنّ المشكلة لم تكن في النصوص الماركسية، بل في طرق تلقّيها وتطبيقها في بيئات غير مؤهلة لاستيعاب روحها النقدية. لذلك يتوقف المؤلف عند فكرة أنّ الفكر لا ينتهي بقدر ما تنتهي أشكال معينة من قراءته. 

المحور الثاني: التحولات التاريخية وسقوط النماذج المغلقة.

يربط المؤلف بين التحولات الكبرى في القرن العشرين، مثل انهيار التجارب الاشتراكية الصلبة، وبين أزمة الماركسية التطبيقية. فالسقوط لم يكن سقوط الفكرة بل سقوط نموذجها الأيديولوجي الصارم الذي حوّل المنهج إلى عقيدة، والجدل إلى نص مقدس. ويعيد شوقي جلال قراءة تجربة التنوير الغربي، مبرزاً كيف أن سقوط الليبرالية الكلاسيكية وسقوط نماذج التنوير الراديكالية مهّد للسؤال عن مصير المشروع العقلاني الحديث بكامله، بما في ذلك الماركسية. ومن هنا يشدد على أنّ ما انتهى هو شكل تاريخي من أشكال الماركسية، وليس بنيتها النظرية بوصفها أداة لفهم المجتمع.

المحور الثالث: الماركسية كرافد راديكالي للتنوير

يرى شوقي جلال أنّ الماركسية تمثل أحد أهم الروافد الفكرية لمشروع التنوير، كونها تسعى إلى تحرير الإنسان من الاغتراب الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. ولذلك يؤكد أن قيمها الأساسية ــ النقد، كشف البنى، تحليل السلطة، الدفاع عن العدالة الاجتماعية ــ ما زالت صالحة، بل ازدادت راهنيتها في زمن العولمة والتفاوت المتسارع. لكنه في الوقت ذاته ينتقد النزعة القَبَلية عند بعض الماركسيين الذين تعاملوا معها كعقيدة مغلقة، ما أدى إلى تحويلها من منهج نقدي إلى منظومة شعارات لا تمتّ بصلة إلى الفلسفة الجدلية التي أسّس لها ماركس.

المحور الرابع: الحاجة إلى تجديد المشروع الفكري

يُبرز المؤلف أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على القطيعة مع مشروع نقدي بحجم الماركسية، بل على إعادة تأهيله وتحريره من القراءة الطقوسية. لذلك يدعو إلى استعادة روح ماركس لا نصوصه؛ أي العودة إلى المنهج الجدلي كأداة لتحليل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية الجديدة، مثل الثورة الرقمية، اقتصاد المعرفة، وتحوّلات الرأسمالية العالمية. فالسؤال ليس: هل انتهت الماركسية؟ بل: ما الذي يجب أن يتغير فيها لكي يتواصل حضورها كقوة تحليلية فاعلة؟ يؤكد المؤلف أن التحدي الملح اليوم هو بناء مجتمع آمن من الجوع والخوف، قائم على العدالة والعقلانية، وهذا يتطلب إعادة التفكير في نماذج التغيير وليس الاكتفاء بتراث الماضي.

ويخلص شوقي جلال إلى أنّ إعلان نهاية الماركسية هو تبسيط يتجاهل طبيعة الفكر الإنساني بوصفه حركة دائمة لا تتوقف. فالماركسية لم تنتهِ، بل تحررت من أطرها الجامدة لتعود إلى وظيفتها الأصلية: النقد والتحليل وكشف آليات السلطة ورأس المال. ويرى أن مستقبل الفكر الإنساني لن يُصنع بإحياء النصوص القديمة، بل بإعادة قراءتها داخل سياقات جديدة. لذلك يظل السؤال حول «نهاية الماركسية» مفتوحاً، لأن نهايات الفكر ليست نهايات بقدر ما هي بدايات لتحولات أعمق.

زر الذهاب إلى الأعلى