العرب وافريقياحول الخليجعاجل

مؤامرة تمزيق السودان و”فقه” نهب الذهب وتحويل محور المقاومة

المحرر السياسى:

للحرب في السودان وجوه تعجز بلاغة الأدباء عن وصف قبح دمامتها وشذوذ دمويتها. 

تخجل الضمائر إن وُجدت، وتعاف الأنظار -إن أبصرت، وحشية جرائمها ونذالة مرتكبيها. 

لم يرتبط اسم بلد في تقارير الأمم المتحدة وسجلات المنظمات الإنسانية، بالانتهاكات الحيوانيّة وبتغوّل المجاعة وتفشي الأمراض بين النازحين كالسودان. 

سودان الأرض الخصبة بطمي النيلين الأبيض والأزرق، وبنفائس الطبيعة البكر من ذهب ومعادن ونفط!!

“سلة غذاء” ما كان يُعرف بالوطن العربي، أصبح مضربًا لأمثال الجوع والفقر والبؤس.. ثم أنموذجا يدرّس في ممارسات “اللا أخلاق” من جرائم التطهير العرقي، والإبادة، والاغتصاب الجماعي، وكل ما يصوغه قاموس القانون الدولي من مرادفات للإجرام الممنهج. 

أمام هذا المشهد الكئيب، تتعدد التحليلات وتتداخل التنظيرات في شرح أسباب وخلفيات نكبة البلد الذي انشطر قبل 14 عاما إلى سودانيْن شمالى مسلم وجنوب مسيحى وبات مرشحاً لمزبد من التقسيم. 

قبل بضعة أيام، قال وزير الخارجية الأمريكي 

(مبتسما بثقة) إن الرئيس ترمب يتولى “بنفسه” الملف السوداني. وكان ذلك ردا على صحفي سأله عما فعلته واشنطن منذ تعهد ترمب لضيفه ولي العهد السعودي في البيت الأبيض قبل أسبوعين ونيف بالتدخل لإنهاء الحرب الوحشية(مثلما أنهى 8 حروب سابقة، على حد زعمه, تلك الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش الحكومي بقيادة البرهان وميليشيا الدعم السريع بقيادة حميدتي (دقلو)، كلّفت السودان البائس عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وملايين النازحين داخليا ولاجئين خارجيا، وخسائر اقتصادية تتجاوز 200 مليار دولار، في أقل التقديرات المستقلة. 

الجميع يتحدث تلميحا وتصريحا عن أصابع قوى إقليمية وخارجية تغوص في أحشاء الجسد السوداني وتعبث بمستقبله دون حسيب أو رقيب والجميع ينتظر ما سيفعله الزعيم البرتقالي الذي تبنّت بلاده 

“اتفاقية السلام الشامل” (CPA) التي أفرزت استقلال جنوب السودان عام 2011 فهل يمكن الوثوق بطرف له أجندته الاستعمارية ومصالحه الانتهازية في وقف حرب هو أحد المستفيدين من تأجج سعيرها؟ .

هذا هو السؤال الذي تطرحه الكاتبة والمذيعة الأمريكية (الفلسطينية الأصل) منار عدلي، مؤسسة ومديرة موقع MintPress News، والحائزة على عدد من جوائز الصحافة المستقلة، في مقال بعنوان: السودان لا ينهار ذاتيًا -بل يتم تفكيكه. كيف هيّأت السي آي إيه والموساد تربة السودان للإبادة الجماعية منذ التسعينات؟.

وبينما تستهل الكاتبة مقالها بعبارة جريئة تقول “تشير أصابع الاتهام إلى دولة الإمارات باعتبارها الجاني الرئيسي في كارثة السودان، لكن الحقيقة أنه لأكثر من عقدين، عملت سياسة واشنطن على تحويل السودان إلى الدولة الفاشلة التي نراها اليوم – كجزء من حرب بالوكالة ضد الصين وروسيا وإيران، واتساقًا مع حملة صهيونية معلنة لتدمير أي دولة تجاهر بدعم القضية الفلسطينية”.

وهكذا تمضي من توصف بأول مراسلة أخبار “محجّبة” في وسائل الإعلام الأمريكية، في طرح “رؤيتها” لخلفيات الحرب السودانية، مركزةً على البعد “الإمبريالي” الأمريكي في مؤامرة “تفكيك السودان وتقسيمه”، ومسلطة الضوء -بوافر من الأمثلة- على التواطؤ بين إسرائيل والإمارات (وآخرين من حلفاء أميركا الإقليميين) لتدمير السودان الذي “كان ركنا في محور المقاومة، وجسرًا بين إيران وفلسطين ولبنان، وشريانًا لوجستيًا حيويًا للأسلحة المتدفقة إلى غزة وجنوب لبنان”، على غرار ما فعلوا في ليبيا والعراق. 

وبعيداً عن النزعة “الدوغماتية” الواضحة، وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف على تفسير ما حدث -ويحدث- للسودان من منظور “المؤامرة” بسبب موقفه من “المقاومة”، فقد تضمن المقال العديد من التفاصيل عن تاريخ التحالف الاستخباراتي بين واشنطن وتل آبيب وأبوظبي لإسقاط نظام عمر البشير (الإسلامي الذي لم يشفع له لاحقاً الانصياع لواشنطن والانفصال عن طهران)، وإنهاك البلاد في هاوية اقتتال طائفي وصراع سياسي، أحياناً خلف واجهة أخلاقية ترفع شعارات الدفاع عن “حقوق الإنسان” في دارفور، ويقودها نجوم هوليوود مثل جورج كلوني وأنجلينا جولي .. وأحيانا بعمليات أمنية صريحة تحت بند مكافحة الإرهاب، “بينما كانت المخابرات الأجنبية ترسم خرائط حقول النفط واحتياطيات الذهب”.

ويستفيض المقال في شرح كيف استولت شركة “الجنيد”، المملوكة لعائلة حميدتي (المدعوم إماراتيا) على مناجم الذهب في مناطق سيطرة الدعم، وكيف سيطرت كل من شركة “إميرال” و”تحالف التعدين”، بدعم من الإمارات أيضا، على منجم “كوش” الذي يُضخ منه الذهب إلى دبي، حيث تُمحى أصوله ويُسبك قبل أن يباع في الأسواق العالمية. 

ثم توضح الكاتبة: “والمصلحة هنا مشتركة مع إسرائيل التي تسعى لضرب مؤسسة الجيش ‘الإسلامية’، ومحاصرة أذرع إيران في المنطقة، والسيطرة على البحر الأحمر ، والنفاذ إلى الأسواق الأفريقية، واختراق الظهير الصحراوي لشمال أفريقيا (ومصر)”. 

وبرغم اجتهاد المقال في محاولة رسم ملامح المشهد السوداني المعقد، وربط الحاضر المأساوي بخلفيات تاريخية وبأجندات إقليمية وأطماع خارجية، خصوصاً ما يتعلق منها بثروة الذهب، فقد أغفل الإشارة إلى دور ميليشيا ‘فاغنر’ الروسية المتعاونة مع قوات الدعم السريع في استنزاف المناجم، في مقابل مشروعات “التعدين” الصينية المتعاونة مع جيش البرهان، بموازاة المساعدات “الإنسانية والعسكرية” التركية المتوافقة مع الدعم المصري للخرطوم. 

وهي خريطة تكاد تتناقض كليا مع مشهد التحالفات الإقليمية في ليبيا (حيث تتعارض المصالح المصرية والروسية والإماراتية الداعمة لحفتر في بنغازي مع الأجندة التركية -ومعها الغربية أو الأمريكية إلى حد ما- الداعمة لحكومة الدبيبة في طرابلس). 

لكن تبقى قصة “نهب” الذهب السوداني، وتقاسمه بين ميليشيا حميدتي وجيش البرهان “لصالح قوى إقليمية”.

زر الذهاب إلى الأعلى