
كتب هانى الكنيسى:
على قدم وساق، وفي غرف مغلقة، تجري التحقيقات “السرية” في إخفاقات جيش الاحتلال قبيل وعند وبعيد هجوم “طوفان الأقصى”.
تتسرّب تفاصيل مبتورة من هنا أو هناك، فتتلقفها الصحف والمواقع العبرية وتبني عليها تقارير “حصرية” وقصصا “بيّاعة”. لكن تظل الصورة الأوسع طي الغموض والتعتيم.
الجميع يدرك أنها كانت فضيحة أمنية، استخباراتية، عسكرية. والبعض لا يريد إلا المكاسب “السياسية” أو تصفية الحسابات. ومع اقتراب موسم الانتخابات الإسرائيلية، يتحيّن السياسيون الفرص للانقضاض على أي “تسريبة” لتحقيق أكبر قدر من الصخب الإعلامي، ومن ثم استقطاب أصوات الناخبين، خصوصاً إن كان الحديث باسم “الأمن” القومي.
هذا ربما كان دافع ‘تالي غوتليب’، النائبة في الكنيست (البرلمان) عن حزب الليكود، لشن حملة انتقاد “علنية” علي أحد قادة جهاز الأمن الداخلي ‘الشاباك’، متهمةً إياه بالوقوع في شرك الخديعة على يد أحد قادة حماس قبل ساعات من وقوع هجوم 7 اكتوبر، ومن ثم “التسبب في وقوع المذبحة”.
وجّهت ‘غوتليب’ اتهامها لضابط استخبارات يُلقب رمزياً بـ”أوسكار”، عبر تغريدة على منصة X، تقول فيها: “لقد أصدرت أمرك إلى معبر إيريز (بيت حانون) حوالي الساعة العاشرة مساء السادس من أكتوبر، لمقابلة عز الدين الحداد. أردت من رجالك أن يستفسروا من هذا الإرهابي الخطير عما حدث لشرائح SIM ورموز تشغيلها، وفي لحظة جنون صدقت القصة الوهمية التي اختلقها لك هذا اللعين”.

المقصود هنا بالإرهابي الذي تتهم نائبة الكنيست اليمينية المتطرفة جهاز الشاباك بالغفلة في التعامل معه، هو عز الدين الحداد (كنيته “أبو صهيب”) القائد الأحدث لكتائب عز الدين القسام (الجناح العسكري لحماس) في غزة، وأحد آخر القيادات الميدانية البارزة المتبقية ممن شاركوا في التخطيط لهجوم 7 أكتوبر، وهو حالياً المطلوب الأول على قائمة الاغتيال الإسرائيلية.ظ
أما الخيبة الاستخباراتية التي تعنيها ‘غوتيليب’ (المحامية والسياسية التي خدمت سابقاً كمُدربة مدفعية في جيش الاحتلال، والمعروفة بدعواتها المتكررة لإبادة غزة أو تهجير سكانها إلى سيناء)، فتتمثل في أن الضابط الكبير “أوسكار” (الذي قالت في تغريدتها إنها لم تذكر اسم عائلته “من باب المجاملة”) كان يجري تحقيقاً في شرائح الهاتف التي فعّلها أحد مرؤوسيه ليلة 6 أكتوبر 2023، ووصلت إلى أيدي حماس. وقد حاول أن يستوضح ما حدث، فأمر بلقاء ‘عز الدين الحداد’ شخصيا علي المعبر واستجوابه، ثم صرفه بعدما اقتنع بصدق روايته- حسب روايتها.
وتضيف ‘غوتيليب’ في تغريدتها التي أثارت العديد من التساؤلات: “الآن أفهم سبب رفضكم المثول أمام مراقب الدولة. كيف تفسرون، مثلًا، وجود فريق ‘تيكيلا’ (وحدة عملياتية تابعة لجهاز الشاباك مكلّفة بالتعامل مع الطوارئ وخصوصاً إنذارات الهجمات المحتملة) وسط فوضى حفل نوفا؟” (تقصد مهرجان ‘سوبر نوفا’ الموسيقي الذي أقيم قرب مستوطنة ‘رعيم’ بغلاف غزة عشية 7 أكتوبر 2023 وامتد للصباح). وقد ذكر المسؤولون في تقاريرهم الأولية أن “تنبيه تيكيلا” صدر بالفعل في الساعات التي سبقت الهجوم، مما دفع فرقاً من القوات الخاصة (وحدة “اليمام”) للتحرك باتجاه الموقع. إلا أن التحقيقات الداخلية اللاحقة أظهرت أن السلطات المعنية “لم تُرسل تحذيرات محددة لمنظمي المهرجان” بشأن التهديد الأمني المحتمل، على الرغم من وجود مؤشرات على نشاط مريب لمقاتلي حماس قبل الهجوم. ووفقا للرواية الإسرائيلية، فقد وصل فريق “تيكيلا” إلى المنطقة حوالي الساعة الخامسة فجراً، قبل وقت قصير من بدء الهجوم الشامل (أي بعد المقابلة المزعومة مع الحداد بسبع ساعات فقط)، لكنها تعرضت لكمائن من قبل حماس، وقُتل عدد من أفرادها.
وتختم ‘تالي غوتليب’ تغريدتها الاتهامية، بعبارة “خطابية” تلائم أجندتها الانتخابية، فتقول: “لحسن حظنا، يوجد بيننا صادقون شجعان ومخلصون لهذا الشعب، وبفضلهم سنصل في النهاية إلى الحقيقة الكاملة”.

وبرغم أن المحللين السياسيين اعتبروا أن “صرخة غوتيليب” لا تعدو أكثر من تسخين لحملتها الانتخابية علي مقعد الليكود (حزب النتنياهو) في إطار تنافسها الشرس مع النائبة ‘ميري ريغيف’ التي تشغل حالياً منصب وزيرة النقل والبنى التحتية، فقد رأى الكاتب العسكري لصحيفة ‘معاريف’ أن ما ذكرته النائبة الشرسة بشأن خديعة عز الدين الحداد “يجدد الشكوك في حجم الإخفاقات الأمنية والعسكرية التي سبقت 7 أكتوبر، وينبئ عن براعة حماس في تضليل قياداتنا حتى اللحظة الأخيرة”.
والواضح أن ما خفي من “الخيبة” الإسرائيلية ربما كان أعظم مما وشت به التحقيقات، التي تفضحها بين الحين والآخر تسريبات السياسيين المتصارعين على مقاعد السلطة.
