كيف تُعيد النيوليبرالية تشكيل الأخلاق العامة في مجتمعات الجنوب؟

كتب محمد اسماعيل
كيف تتسلل النيوليبرالية إلى حياتنا بهذه السهولة؟ كيف تنخرط الفئات الأكثر تضرراً منها في معركة ضد نفسها؟ وكيف تقوم السينما، والمسلسلات، ووسائل التواصل الاجتماعي بدور أساسي في تشكيل الوعي بحيث يعمل الناس من دون أن يشعروا وفق قيم السوق، لا وفق مصالحهم ظالاجتماعية الحقيقية؟ هذه الأسئلة ليست هامشية، بل هي صميم فهم النيوليبرالية، لأنها ليست مجرد سياسات اقتصادية، بل مشروع لإعادة تشكيل الإنسان والمجتمع معاً.
النيوليبرالية في جوهرها منظومة قيم قبل أن تكون منظومة اقتصاد. فهي تُعيد تعريف الأخلاق العامة بحيث يصبح الفرد هو محور الكون، ويصبح النجاح مسألة إرادة شخصية، ويصبح الفشل مسؤولية فردية، ويُمحى تماماً أثر الظروف البنيوية. بهذا المعنى، تتحول الأخلاق من قيم الجماعة والتضامن والمسؤولية المشتركة إلى قيم التنافس، والإنجاز الفردي، والبحث المحموم عن الربح. يصبح الإنسان “مشروعاً فردياً” يعيش ليصعد في سلم السوق، لا عضواً في مجتمع ينهض معاً. هذه النقلة الأخلاقية هي التي تسمح للنيوليبرالية بالانتشار وسط الناس، حتى بين أولئك الذين يسحقهم هذا النظام يومياً. فحين يقتنع الفرد أن معاناته سببها “كسله”، لا السياسات العامة؛ وأن الفقر نتيجة “نقص مهاراته”، لا غياب الدولة؛ وأن الغني “أذكى” وليس أكثر حظاً أو ارتباطاً بالسلطة، يصبح من الطبيعي أن يدافع عن منظومة تضره، لأنه يظن أنه قد يصبح جزءاً من القلة المستفيدة يوماً ما.
وتتغلغل هذه الأخلاق في مجتمعات الجنوب مثل السودان بسهولة لأن الدولة ضعيفة، والمجتمع منهك، والناس يبحثون عن تفسيرات بسيطة لمعاناتهم. فبدلاً من مساءلة بنية الاقتصاد أو السلطة، يلجأ الأفراد إلى لوم أنفسهم أو لوم ضحايا آخرين. ومع تآكل المؤسسات الجماعية، يتراجع العمل النقابي والعمل العام، وينسحب الناس إلى مساحات فردية خالصة: “خليني أصلح نفسي”، “أنت قدمت شنو؟”، “كل زول يشيل شيلتو”. وهكذا يصبح الفرد وحدته الأساسية، ويغيب المجتمع كفاعل.
لكن، لا تنتشر النيوليبرالية من تلقاء نفسها؛ بل تحتاج إلى ماكينة ثقافية ضخمة. والإعلام هو أخطر هذه الأدوات. فمن خلال الأفلام والمسلسلات، يتم تقديم النموذج النيوليبرالي بوصفه النموذج الطبيعي للحياة: بطل ينجو بجهده الفردي، رجل أعمال يبني إمبراطورية “بعصامية”، امرأة تحقق ذاتها عبر الاستهلاك، وشخصيات تنجو من الفقر بالموهبة وحدها. يظهر النجاح كمسألة قرار شخصي، لا كنتاج بنية اجتماعية واقتصادية. فيتم اختزال الحياة في معادلة: “اجتهد أكثر… تنجح أكثر”، حتى إن كانت هذه المعادلة غير صحيحة إطلاقاً في الواقع.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتُطلق المرحلة الأخطر. فبدلاً من مجرد تقديم نماذج جاهزة، أصبحت تصنع عالماً كاملاً من القيم النيوليبرالية: عالم يسوده الاستعراض، والمقارنة، والضغط المستمر على الفرد ليكون “أفضل نسخة من نفسه”، أي نسخة صالحة للسوق. هنا يتحول الإنسان إلى سلعة؛ إلى صورة مستمرة التحديث، وإلى مشروع دعائي لنفسه. ويجد الناس أنفسهم غارقين في ثقافة تُمجّد الاستهلاك، وتُقدّس الشكل، وتُهمّش التفكير الجماعي، وتُخفي الحديث عن الفقر والظلم، بل تجعل الحديث عنه غير جذاب ولا “تريندي”.
ولإكمال المشهد، يعمل الإعلام العالمي—وما يسمي “الميديا الصهيوأمريكية”—على إغراق الجماهير في تفاصيل يومية تافهة، تُبعدهم عن الأسئلة البنيوية الكبرى. ملايين الساعات تُهدر في متابعة الفضائح، والمسلسلات الطويلة، وحروب المشاهير، وتحديات لا معنى لها، بينما تختفي الأسئلة الحقيقية: لماذا نحن فقراء رغم أننا نعمل؟ من يستفيد من انهيار الدولة؟ من يتحكم في موارد البلاد؟ ولماذا يعيش المنتج الحقيقي تحت رحمة السوق، بينما يزدهر السمسار والمضارب؟ الإلهاء هنا ليس عرضاً جانبياً؛ بل استراتيجية أساسية في تكريس النظام.
وتظهر آثار هذا المشروع الأخلاقي والثقافي بوضوح في السودان. فقد تشكلت—مع سنوات الانهيار—أخلاق جديدة: تمجيد “الشطارة” بدلاً من الإنتاج، والبحث عن الربح السريع بدلاً من العمل الحقيقي، واحتقار الفقر واعتباره “غلط شخصي”، والانسحاب من المجال العام، وتفكيك الروابط الاجتماعية، وانتشار خطاب “كل زول يشوف نفسو”. ومع الحرب، تضاعفت هذه الأخلاق: أصبح البقاء الفردي أهم من بقاء المجتمع، وتحولت الفوضى إلى فرصة للربح، وظهر جيل كامل تشكل وعيه عبر وسائل التواصل لا عبر مؤسسات عامة أو نقاش اجتماعي جماعي. ولكن مع هذا نرى صور للتضامن مثل الجهود العملاقة التى يقدمها شباب وشابات سودانيين فى اطعام الناس عبر التكايا وتوفير الدواء وايصال المرضى وضحايا الحرب للمستشفيات التى تبقت من الحرب.
هكذا نفهم السؤال كيف تقاتل الطبقات الفقيرة دفاعاً عن نظام يضرها؟ ببساطة، لأنها ترى العالم من خلال قيم ليست قيمها، بل قيم صُنعت لها. وحين تصبح النيوليبرالية “أخلاقاً”، لا مجرد سياسة، يصبح من الطبيعي أن يقاتل الفقير من أجل السوق، لا من أجل نفسه.
إن مواجهة النيوليبرالية في السياسة أمر مهم، لكن مواجهتها على مستوى الأخلاق والوعي أهم بكثير. فهي لا تريد فقط خصخصة الدولة، بل خصخصة الإنسان نفسه؛ لا تريد فقط تحرير السوق، بل تحريرنا من أي علاقة تضامن تجعلنا أقوى.
