أخبارحول الخليجعاجل

مستقبل السودان بين مبادرة الرياض وإعادة هندسة المسار  

بعد أسبوع من دعوة ولى العهد السعودى محمد بن سلمان للرئيس ترامب بالتدخل لوقف الحرب فى السودان ووسط عملية ترحيب من العديد من القوى المدنية ومجلس  السيادة السوداني يقوم حاليا الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش بزيارة إلى العاصمة السعودية الرياض، في إطار إعادة تشكيل مقاربة إقليمية جديدة لملف السلام في الخرطوم، بما يؤكد أن هناك ربما تفاهمات عملية بدأت ، قد تمثل مدخلًا لتحريك مبادرة السعودية.

من حيث الشكل، عكست الزيارة اسلوب “الدبلوماسية الهادئة” التي تفضّلها الرياض في الملفات المعقّدة، حيث تُدار القضايا الحساسة بعيدًا عن الأضواء، تمهيدًا لإعلانها لاحقا عندما تنضج التفاهمات. أما من حيث المضمون، فإن قيادة الوفد بحسب ما تداوله الإعلام المحلي من نائب وزير الخارجية السعودي، تعزّز فرضية أن اللقاء حمل رسالة سياسية مباشرة على أعلى مستوى، تتصل بإعادة ضبط مسار التسوية، فى إطارٍ سياسي جديد انطلاقاً من محطة جدة.

 الأرجح أن الزيارة لم تكن مجرد نقل دعوة للرئيس البرهان لزيارة الرياض، فمثل هذا الغرض لا يستدعي وفدًا رفيع المستوى، ولا طائرة خاصة لكن الأقرب للمنطق السياسي أن الوفد السودانى حمل صيغة أولية لرؤية أو إطار مبادئ، لا مبادرة مكتملة، قُدِّمت شفهيًا أو في شكل نقاط مرجعية، بهدف اختبار موقف القيادة السودانية العليا منها، وقياس قابلية الدولة السودانية، بمؤسساتها السيادية والأمنية، لتداولها داخليًا. هذه الصيغة من المعلوم، لا تُعلن قبل أن تمر بمرحلة “التداول الصامت” داخل أجهزة الدولة المعنية.

وفق هذه القراءة، فإن زيارة البرهان للمملكة، لن تكون لبدء النقاش، بل لتقديم الإجابة السودانية على ما عُرض قبل ذلك فى المبادرة السعودية فى الخرطوم الاسبوع الأيام الماضية، سواء عبر القبول، أو التحفظ، أو طلب التعديل. أي أن الرياض، في هذه الحالة، تتحرك بمنهج تدريجي: يضع في الاعتبار أهمية الاستطلاع و التشاور مع الداخل السوداني ما تم بالفعل، لذلك يمكن أن نطلق عليها زيارة سياسية رفيعة لإطلاق مسار تفاوضي محتمل مع مليشيا الدعم السريع وربما قبل ذلك للتوافق حول الوسطاء المقبولين.

في المقابل يبقى احتمال أن تكون الزيارة ناقلة لدعوة فقط قائمًا نظريًا، لكنه ضعيف سياسيًا. فالسعودية بحكم تجربتها في الملف السوداني منذ منبر جدة، تجاوزت مرحلة الدعوات العامة، وانتقلت إلى مرحلة إعادة هندسة المسار بعد إدراكها أن المقاربات السابقة لم تُنتج سلامًا مستدامًا.

تكتسب هذه التحركات معناها الأعمق إذا وُضعت في سياق التحوّلات الإقليمية المتسارعة، ولا سيما إدراك المملكة لأهمية البحر الأحمر بوصفه عمقًا استراتيجيًا لا يحتمل الفراغ أو الفوضى. فالسودان بحكم موقعه الجغرافي وثقله التاريخي، يظل حجر زاوية في معادلة أمن البحر الأحمر، وأي مقاربة سعودية للسلام فيه تنطلق من معادلة مزدوجة: إنهاء الحرب، وتأمين الاستقرار الإقليمي. ومن هنا، تبدو مساعي الرياض جزءًا من رؤية تنسيق الأمن الإقليمي، للقرن الإفريقي و البحر الأحمر.

في هذا الإطار لا يمكن فصل اللقاء عن النقاشات التي أجراها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الأزمة السودانية، حيث اتفق الطرفان على ضرورة التحرّك العاجل لوقف الحرب. وكان ترحيب البرهان بالمبادرة السعودية الأمريكية، فى وقت سابق وإعلانه الاستعداد للتعاون الكامل معها، يمنح الرياض موقع “الضامن السياسي” المقبول داخليًا وإقليميًا، وهو دور لا يتوافر لكثير من الفاعلين الآخرين.

  فالزيارة الحالية سوف تكون محطة حاسمة لصياغة خارطة طريق، قد تُقدَّم لاحقًا بوصفها “مبادرة”، بينما هي في جوهرها ثمرة تفاهمات سابقة نضجت في صمت. وإذا ما كُتب لهذا المسار أن يكتمل، فقد تكون الرياض منصةً لإطلاق معادلة سلام أكثر واقعية، تستند إلى فهم عميق لتعقيدات الداخل السوداني، وتستشرف مستقبل الاستقرار في السودان و الإقليم.

يذكر أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كان قد طلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل بالملف السوداني خلال زيارته الأخيرة لواشنطن.

وقال وكيل وزارة الخارجية السفير معاوية عثمان في تصريحات صحفية إن لقاء رئيس مجلس السيادة بولي العهد السعودي اليوم استعرض مسار العلاقات الثنائية بين البلدين والدفع بها نحو آفاق أرحب، عبر تعزيز التعاون بشراكة استراتيجية مستدامة، وذلك بإنشاء مجلس تعاون استراتيجي ترعاه القيادتان في السودان والمملكة.

و الزيارة تعد مرحلة جديدة من التنسيق السوداني  السعودي، مؤشراً على نضج التعامل السياسي والحرص على تحقيق الاستقرار الداخلي والإقليمي من خلال الحوار المتوازن لأجل بناء السلام في السودان.

زر الذهاب إلى الأعلى