السوق لا يحب الفقراء: النيوليبرالية واتساع اللامساواة

كتب محمد اسماعيل
سنواصل في هذا المقال سلسلة الكتاب التى تناولنا فيها حتى الآن رفض هذه المنظومة، ودور الكمبرادور، وتسللها إلى تفاصيل حياتنا اليومية فى السودان، وآثارها على الدولة وقدرتها ثم ننتقل إلى المسؤولية الفردية، وإشكالات الإنتاج، ودور الدولة في بناء اقتصاد عادل.
وهذا المقال تحليل عن علاقة النيوليبرالية باللامساواة، وهي بالفعل من أكثر القضايا التي تكشف طبيعة السوق حين يُترك بلا ضوابط: سوق لا يحب الفقراء، ولا يعمل لصالحهم، مهما كانت الشعارات التي تُقدَّم.
لطالما رُوّج للنيوليبرالية من خلال فكرة بسيطة تُسمّى “التسرب إلى الأسفل” (Trickle-down economics): النمو في القمة يخلق فرصاً في القاع. زيادة أرباح الأغنياء تؤدي تلقائياً إلى زيادة الوظائف. تحرير السوق يؤدي إلى توسيع دائرة الرفاه. هذه الرواية اقتصادية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها أسطورة سياسية تم استخدامها تاريخياً لتبرير نقل الثروة من المجتمع إلى القلة القادرة.
الحقيقة، كما أثبتتها التجارب الواقعية، هي أن النمو لا يتسرب إلى الأسفل؛ بل يتراكم في الأعلى. والدليل على ذلك واضح: خلال الأربعين عاماً الماضية، في أغلب دول العالم التي تبنّت سياسات نيوليبرالية، تضاعفت ثروة الأغنى بنسبة مهولة، بينما دخل الطبقات الدنيا إما تراجع أو بقي ثابتاً. والسبب بسيط: السوق في غياب الدولة لا ينتج عدالة؛ بل يعيد ترتيب القوة الاقتصادية بما يخدم الأقوى رأس مالاً، والأوسع شبكة، والأقدر على استغلال الفرص.
في السودان، تتبدى هذه الحقيقة بشكل أكثر حِدّة. ففي ظل اقتصاد هش، وضعف الدولة، وغياب الحماية الاجتماعية، يؤدي تحرير الأسعار ورفع الدعم وتعويم الجنيه إلى نتيجة واحدة: الغني يزداد غنى… والفقير يصبح أفقر.
حين يرتفع سعر الخبز، لا يتأثر تاجر الذهب ولا المستورد الكبير؛ يتأثر العامل الذي يتقاضى أجراً ثابتاً.
وحين تُرفع أسعار الوقود، لا تتأثر الشركات التي تربح من النقل التجاري؛ بل تتأثر الأسرة التي تنفق نصف دخلها على المواصلات.
وحين يتدهور الجنيه، لا تتأثر النخبة التي تملك الدولار؛ بل تتأثر الأسرة التي تعتمد على راتب لا يمثّل شيئاً أمام التضخم.
النيوليبرالية تخلق النمو، نعم، لكن النمو لا يوزَّع بالتساوي، ولا يصل إلى من يعمل بيديه. يصل إلى من يملك رأس المال، ويسيطر على التجارة، ويستفيد من المضاربة، ويستطيع استغلال السوق المفتوح لصالحه. في السودان، رأينا ذلك في توسع ثروات فئات محددة خلال سنوات قليلة، رغم أن الاقتصاد العام كان يتدهور. رأينا كيف استفادت الطبقة التجارية السمسارية من التعويم، ومن انفلات السوق، ومن السياسات الضريبية غير العادلة، بينما كان العامل والمزارع والموظف ينزلقون إلى ما دون خط الفقر.
الأسطورة الكبرى التي تسوقها النيوليبرالية هي أن السوق “محايد”، وأنه يكافئ المجتهدين. لكن السوق—حين يُترك بلا تنظيم—ليس محايداً على الإطلاق. هو منحاز لمن يملك القوة. في السودان، القوة ليست في اليد العاملة ولا في الزراعة ولا في الصناعة، بل في التجارة السريعة، والاحتكار، والقدرة على التحكم في تدفق السلع والعملة. ولذلك نرى أن قطاعات الإنتاج الحقيقية—التي تشغل الناس وتبني المجتمع—تنهار، بينما تزدهر القطاعات الطفيلية التي لا تضيف شيئاً سوى تأجيج اللامساواة.
إحدى نتائج ذلك هي ما نشهده اليوم من هشاشة اجتماعية: انكماش الطبقة الوسطى حتى تكاد تختفي، توسع دائرة الفقر لتشمل فئات لم تكن فقيرة سابقاً، وتكدس الثروة في قِمم اجتماعية صغيرة مرتبطة بالاستيراد، أو السمسرة، أو التجارة المالية، أو الاقتصاد الموازي. ومع انهيار دخول الأغلبية، تتآكل قدرة المجتمع على الصمود، ويصبح باب العنف مفتوحاً، إذ إن الفقر ليس مشكلة مالية فقط؛ بل مشكلة سياسية وأمنية أيضاً.
من هنا نفهم لماذا لا يمكن للنيوليبرالية أن تنقذ السودان، ولماذا لا يمكن ترك السوق “يصلح نفسه بنفسه”. السوق دون دولة قوية وعادلة يصنع احتكاراً، لا تنافساً؛ يصنع فقر الجماهير، لا رفاهها؛ ويخلق طبقة تستطيع حماية مصالحها بالسلاح والمال، بينما تُترك الأغلبية لتدفع ثمن الفوضى.
في المقالات السابقة، أشرنا مراراً إلى أن النيوليبرالية ليست مجرد رؤية اقتصادية، بل مشروع لإعادة تشكيل المجتمع والدولة بما يخدم أقلية محدودة. وهذا المقال يُظهر الجانب الأخطر في هذا المشروع: أنه يجعل اللامساواة طبيعية، بل ضرورية، ثم يلوم الفقراء على فقرهم، ويحمّلهم مسؤولية الواقع الذي لم يصنعوه.
سوف أقوم بمواصلة الكتابة فى سلسلة مقالات قادمة تحليل جوانب أخرى من النيوليبرالية، بما في ذلك أثرها على الزراعة، وعلى العمل، وعلى الحرب، وعلى إمكانيات بناء دولة بديلة أكثر عدلاً وإنصافاً.
