من النونو إلى النارنيا .. حرب الاغتيالات “النووية” بين إيران وإسرائيل

كتب هانى الكنيسى:
لم تتوقف المواقع والصحف العبرية منذ اغتياله عن نشر التقارير “الملونة” وطرح الأسئلة “الإيحائية” عن مصرع د. ‘نونو لوريرو’، أستاذ العلوم النووية “اليهودي” بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT (أحد أشهر الجامعات الأمريكية).
العالم النووي (47 عامًا)، المعروف بتأييده إسرائيل (حسب الرواية الإسرائيلية)، تعرّض لإطلاق وابل من الرصاص في شقته القريبة من الحرم الجامعي، وفارق الحياة عقب نقله للمستشفى.
وبرغم أن الشرطة الأمريكية فتحت تحقيقًا رسميا، وأعلنت “التكتم” بشأن ما لديها من معلومات عن الجريمة التي “قد تكون بدوافع شخصية” ولا تزال ملابساتها وخلفيتها غامضة، فقد بادرت أصوات إسرائيلية إلى توجيه أصابع الاتهام فورًا إلى طهران، من منطلق “دافع الانتقام” لاغتيال العديد من خيرة العلماء النوويين الإيرانيين على يد الموساد.
لكن الاتهامات المبنية على “نظرية المؤامرة” لم تتوقف عند حدود الإعلام العبري، وانتقلت إلى الصحافة الغربية أيضا.
إذ نقلت صحيفة ‘ديلي ميل’ البريطانية (الخميس الماضى)، عن مصادر إسرائيلية، أن البروفيسور ‘نونو’ – البرتغالي الأصل، والحاصل على الدكتوراة في الفيزياء من لندن عام 2005، وعُيّن مديرًا لمركز “علوم البلازما والاندماج النووي” التابع لمعهد MIT العام الماضي- قُتل “على ما يبدو، على يد عميل إيراني”.
وكان لافتًا تداول مواقع “صهيونية” تحليلات عن دور إيران “الخفي” في تصفية النونو، برغم أن شرطة بروكلين -التي تتولى التحقيق- لم تعتقل أي مشتبه فيه حتى الآن، ولم توجّه الاتهام لأي جهة
.لكن اللافت أكثر أن يتزامن هذا اللغط مع نشر تحقيق مشترك أجرته صحيفة ‘واشنطن بوست’ وبرنامج التحقيقات “PBS”، كشف عن تفاصيل جديدة عن “عملية نارنيا” الإسرائيلية التي أسفرت عن قتل 11 عالمًا نوويا بارزًا في إيران خلال الأيام الأولى من حرب الـ12 يوما في يونيو الماضي.

ووفقًا للتحقيق، فقد نجح الموساد في تجنيد أكثر من 100 عميل إيراني في الداخل، وزودهم بأسلحة متقدمة لتنفيذ ضربات دقيقة على أهداف عسكرية ومنشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بعدما أعد ملفًا استخباراتيًا دقيقا تم الاعتماد عليه في تحديد قائمة مبدئية تضم 100 عالم نووي إيراني، ثم قُلّصت لاحقًا إلى 12 عالمًا بارزًا، تمت متابعة نشاطهم ومنازلهم بحزمة منوّعة من أساليب التجسس.
وكشفت ‘واشنطن بوست’ أن العملاء الإيرانيين خضعوا لتدريب نوعي “في إسرائيل وفي دول أخرى”، وكُشف لهم “عن مهمتهم فقط” دون الاطلاع على “مخطط الحرب الإسرائيلية”.
وفي التفاصيل، بدأ تنفيذ العملية “غير المسبوقة في التاريخ” بعد الساعة الثالثة فجرًا، حيث استهدفت الضربات مساكن العلماء. ومن بينهم، ‘محمد مهدي طهرانجي’ عالم الفيزياء النووية وخبير المتفجرات (الذي قُتل في شقته بالطابق السادس من مبنى “مجمع الأساتذة” بقلب طهران)، والعالم النووي ‘فريدون عباسي’ الرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية (قُتل في غارة أخرى على طهران بعد ساعتين).
وينقل التحقيق عن “مسؤول إسرائيلي مطلع” أن الجيش استخدم العملاء المدربين في محيط طهران، “ثم بدأنا العمليات البرية قبل دخول سلاح الجو إلى المجال الجوي الإيراني”.
وقد أسفر الهجوم الإسرائيلي عن مقتل 71 مدنيًا على الأقل، بينهم طفل يبلغ عامين ومراهق يبلغ 17 عامًا، نجل أحد العلماء النوويين “الذي قُتل لاحقًا أثناء مشاركته في جنازة ابنه”. (جريمة حرب صريحة) .
كما أشار التحقيق إلى أن إسرائيل نفذت عملية خداع قبل الهجوم تضمنت تسريب “معلومات صحفية مضللة” لإيهام إيران بأن التهديد غير جدي، بينما واصل الرئيس “الحليف” ترمب المفاوضات مع طهران بشأن برنامجها النووي.
وبعد بدء الهجوم الإسرائيلي، أرسل الرئيس الأمريكي “اقتراحًا سريًا” لطهران، يقضي برفع العقوبات مقابل إغلاق منشآت تخصيب اليورانيوم ووقف دعم الفصائل المسلحة الموالية لإيران في المنطقة، إلا أن القيادة الإيرانية رفضت العرض، فكان قرار ترمب بإعطاء “الضوء الأخضر لسلاح الجو الأمريكي بالمشاركة في قصف المنشآت النووية الإيرانية”.
الخلاصة أن “نارنيا” كانت توليفة من عمليات استخباراتية وعسكرية مصحوبة بحملات تضليل إعلامي مدروسة، وعملية “خداع استراتيجي ودبلوماسي” قادها ترمب شخصيًا.
