أخبارإبداعات عربيةالشرق قادمعاجلملفات

الأحزاب السودانية وخطايا الهيكلة ومأزق السقوط الأخلاقي

المحرر السياسى

تتصدر الأحزاب السودانية المشهد بمطالبات صاخبة حول “التحول الديمقراطي”، لكنها تمارس هروباً منظماً من استحقاق الديمقراطية داخل أروقتها. فبينما تطالب العسكر بتسليم السلطة، تظل أسيرة لقيادات تاريخية تتربع على كراسي القرار لعقود. إن هذا “العجز المؤسسي” جعل منها مجرد لافتات لأفراد، تستخدم شعار الديمقراطية كأداة لابتزاز الدولة لا لبنائها.

كانت تجربة “حمدوك” المِجهر الذي كشف النوايا

لقد كانت فترة حكومة الدكتور عبد الله حمدوك بمثابة المِجهر الذي كشف الأولويات الحقيقية لهذه الأحزاب؛ فبدلاً من التركيز على تأسيس دولة المؤسسات، ظهر تهافتها على “كراسي الحكم” والتكالب على المناصب عبر “المحاصصة” الحزبية الضيقة. لقد قدمت مصالحها التنظيمية على مصلحة الوطن، مما أدى إلى ترهل الأداء الحكومي وفقدان الشارع ثقته في الشعارات المدنية.

من ناحية أخرى كان مغالطة “صراع الجنرالات” والحياد المريب يمثل توصيف الحرب بأنها “صراع بين جنرالين” أكبر سقطة وطنية؛ فهذا الخطاب يسوي عمداً بين الجيش الوطني كمنظومة شرعية مسؤولة عن بقاء الدولة، وبين ميليشيا متمردة انقلبت على السيادة. إن فشل الأحزاب في التمييز بين (الدولة) و(الميليشيا) ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو تماهٍ مع مشاريع تفتيت السودان، وهروب من المسؤولية الوطنية في الوقوف خلف مؤسسة الدولة في معركة الوجود.

وقد وضعت المجازر والانتهاكات في مناطق (، الجزيرة، والفاشر،الخرطوم وبابنوسة) مصداقية الأحزاب أمام اختبار أخلاقي عسير. فبينما كانت الميليشيا تجتاح القرى وتقتل المدنيين بالمسيرات، التزمت هذه الأحزاب بصمت مريب، أو مارست “انتقائية” في الإدانة تخضع للحسابات السياسية والتحالفات المشبوهة، متجاهلة أرواح السودانيين المزهقة.

لا يمكن تفسير مواقف الكثير من الأحزاب بمعزل عن الأجندات الإقليمية حيث ظلت رهن المال الخارجى. لذا لزمت الصمت تجاه دور الإمارات في تمويل ودعم ميليشيا الدعم السريع ما يضع علامات استفهام كبرى حول استقلالية القرار الحزبي.

 لقد تحول البعض إلى واجهات سياسية تنفذ مشاريع إقليمية تهدف لإضعاف السودان وتفكيك مؤسساته مقابل فتات المال السياسي.

إن الطريق إلى حكم مدني حقيقي فى السودان لا يمر عبر التحالف مع الميليشيات، بل يبدأ بإصلاح البيت الحزبي والتمييز الواضح بين معارضة (الحكومة) والحفاظ على (الدولة). السودان اليوم يحتاج إلى “رجال دولة” يضعون سيادة الأرض وحرمة دماء الشعب فوق كل اعتبار حزبي ضيق.

ـــ بين احتضان الجيش وانتهازية النخب

بينما كان الجنود وضباط الصف يتقاسمون مع الثوار “كسرة الخبز” وهجير الشمس أمام بوابات القيادة العامة، كانت بعض النخب السياسية تُرتب أوراقها في الغرف المغلقة لاقتناص ثمار تضحيات الشباب. لقد انحاز الجيش للشعب كواجب وطني مقدس، بينما نظرت الأحزاب لهذا الانحياز “كفرصة تاريخية” للقفز إلى كراسي الحكم دون تفويض شعبي أو انتخابات حقيقية.

والمفارقة العجيبة هي أن ذات الأحزاب التي احتمت بظل الجيش في أبريل، هي ذاتها التي بدأت لاحقاً في حملات “شيطنة” المؤسسة العسكرية. والسبب بوضوح: هو شعور هذه الأحزاب بأن قوة الجيش واستقلاليته تقف حائلاً أمام طموحاتها في السيطرة المطلقة وتمرير أجندات المحاصصة. لقد حاولوا تصوير الجيش “كعدو للتحول المدني” ليغطوا على عجزهم عن تقديم برنامج وطني مقنع للشعب السوداني.

وتحت شعارات براقة مثل “هيكلة القوات المسلحة”، سعت بعض القوى الحزبية (بإيعاز من الخارج) إلى إضعاف الجيش وتفتيت عقيدته الوطنية. ولم تكتفِ بذلك، بل ذهبت إلى شرعنة وجود ميليشيات موازية وخلق توازنات قوى مشبوهة، مما مهد الطريق للانفجار الذي تعيش السودان اليوم. لقد أثبتت المواقف أن “مدنية” هؤلاء لم تكن تعني دولة المؤسسات والقانون، بل كانت تعني “تفكيك الدولة” لصالح تمكين حزبي ضيق.

إن الرهان اليوم، كما كان في صبيحة 11 أبريل، هو رهان الشعب على جيشه الوطني فى إنهاء حالة الانقسام فالأحزاب قد تتبدل مواقفها، والتحالفات السياسية قد تنهار عند أول بريق للمال الخارجي، لكن المؤسسة العسكرية تظل هي الثابت الوحيد الذي يحمي الأرض والعرض.

فعلى الأحزاب أن تدرك أن “الشرعية” تُكتسب من خلال الصناديق وخدمة المواطن، وليس عبر ابتزاز الجيش أو الارتماء في أحضان الأجندات الإقليمية.

زر الذهاب إلى الأعلى