“الست” أم كلثوم في العيون الصهيونية

كتب هانى الكنيسى:
منذ بضعة أيام، تتواتر المنشور عن فيلم “الست” وصورة لأم كلثوم التي نعرفها أو صورة ل “الآفاتار” لبطولة الفلم منى زكي التي يبدو أنها تقمصت شكلها الخارجي أكثر مما حاكت شخصيتها أو غاصت في أعماقها، وخانتها رداءة المكياج وفوارق الحجم والملامح الظاهرة، ناهيك عن البون الشاسع في طبقة الصوت وجودته.
وبرغم هوس السوشيال ميديا بعرض كل شاردة وواردة عما كُتب عنه أو أشيع عن كواليس إنتاجه وتمويله وإخراجه. وأعترف أنني شعرت بتخمة نقدية من كثرة ما قرأت من تعليقات وتحليلات للفيلم، معظمها يفتقر إلي أبسط قواعد الموضوعية والعلمية ويتراوح بين سخرية تصل إلى حد “القذف” بالطعن في كفاءة بطلة العمل والمخرج والسيناريست والماكيير وفي نوايا الجهة المنتجة (الكفيل)، وبين تسطيح مخل في المقارنة بين الفيلم والمسلسل الذي لعبت فيه صابرين شخصية أم كلثوم قبل عقدين كاملين أو بين صورة “الست” التي اجتهدت منى زكي في تقديمها والصورة الذهنية المنطبعة في وجدان الجمهور عن كوكب الشرق.
القليل جدا مما قرأت عن الفيلم كان مفيدا في تقييمه كعمل فني يخضع لقوانين السينما، والقليل جداً جدا من الذين كتبوا عن الفيلم أشادوا به أو جبروا خاطر صنّاعه.
لكن قررت أن اكتب عن الفلين من زاوية بعيدة كل البعد عن النقد الفني اكتب عن فيلم “الست” في الإعلام العبري، ففوجئت بالكم الكبير نسبيا من المقالات والموضوعات المنشورة عن الفيلم (منذ عرضه الأول في مهرجان مراكش السينمائي) وعن تاريخ أم كلثوم الذي استدعته المناسبة، لا سيما بعد الضجة التي سبّبها عرض “فرقة النور” الإسرائيلية فيديو تكريميًا لذكرى وفاتها الخمسين، وهجوم مؤسسات مصرية عليها متهمةً إياها بـ”النشل الثقافي” و”السرقة الفنية”، بينما رد المنظّمون بأنها كانت محاولة “لبناء جسور بين الثقافات” من خلال موسيقي “أيقونة الغناء في المنطقة”.
وكان لافتًا في الموضوعات التي نشرتها الصحف الإسرائيلية الكبرى -مثل ‘هاآرتس’، و’معاريف’، و’تايمز أوف إسرائيل’- عن الفيلم، تسليط الضوء على سيرة أم كلثوم ورمزية دورها التاريخي كـ “صوت للمقاومة” ودعمها للجيش المصري بعد نكسة 1967، على حساب النقد الفني أو حتى الموضوعي للفيلم نفسه. وكأنها كانت فرصة لتذكير الإسرائيليين (الذين لا يخفي بعضهم -خصوصا من اليهود المزراحيين ذوي الأصول الشرق أوسطية – إعجابهم بفن الست) بما تمثّله أم كلثوم كثقافة و”انتماء” قبل أن تكون فنانة لم تصل “عربية” أخرى لشهرتها وشعبيتها. في إحدى المقالات، قارن ناقد ‘معاريف’ بين التقدير “الفني” لصوت أم كلثوم وبين إرثها “السياسي” كـ “عدوة تاريخية”. بينما أشار محرر ‘هآرتس’ صراحةً إلي “غضب” أنصار اليمين من الاهتمام بفيلم يمجّد “شخصية سخرت فنها للمجهود الحربي ضد إسرائيل”.
أما أكثر ما استوقفني، فكان استرجاع قصة الحكم بالإعدام على كوكب الشرق في إسرائيل، والتي لم أكن قد سمعت بها من قبل.
إذ نشرت جريدة “البلاغ” المصرية في عددها الصادر بتاريخ 6 يوليو 1949 خبراً يفيد بصدور حكم بالإعدام شنقاً على أم كلثوم من محكمة الجنايات الإسرائيلية، بعد اتهامها بتحريض الشعوب العربية ضد إسرائيل خلال حرب 1948. وأوضحت الصحيفة أن الاتهام الموجّه ضد الآنسة أم كلثوم أنها تغني أغنية “فلسطين”، وتثير الشعب المصري ضد الصهيونية، وتستنفره للجهاد، مرددةً على مسامعه عبارة “ولكن تؤخذ الدنيا غلابا” (المقصود هنا أغنية “سلوا قلبي” التي أنشدتها أم كلثوم عام 1946 عن قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي).
وفي هذا السياق، ذكرت إحدي الصحف العبرية أن الإذاعة الإسرائيلية كانت تذيع “نص الحكم الغيابي” علي أم كلثوم يومياً، تعبيراً عن الغضب والسخط من دور “الست” الداعم للمجهود الحربي المصري والفلسطيني. واستمرت الحال على هذا النحو قرابة 7 شهور، إلى أن أُلغي الحكم رسمياً بعد توقيع اتفاقية الهدنة الدائمة بين مصر وإسرائيل في جزيرة رودس اليونانية عام 1949 (وهي الاتفاقية التي حددت “خط الهدنة” الفاصل بين القوات، ونصت على بقاء قطاع غزة تحت الإدارة العسكرية المصرية).
ومنذ ذلك الحين، بدأ راديو إسرائيل في بث أغاني أم كلثوم، ووصفها بعض النقاد الفنيين آنذاك بأنها “من أعظم المطربات في التاريخ”، حسبما ورد في تقرير ‘تايمز أوف إسرائيل’.
الحقيقة أن القصة العجيبة أثارت في نفسي فضول التساؤل: هل في فيلم “الست” ذكر لها؟!
لا أعتقد .. وفي رأيي الشخصي أنها كان يمكن أن تكون أفضل “دعاية” للفيلم البائس.
