النيوليبرالية والنخبة المحلية

كتب محمد إسماعيل:
حين يصبح “الحياد” سلطة
النيوليبرالية لا تدخل إلى دول الجنوب وحدها عبر القروض أو شروط المؤسسات الدولية أو نصائح “الإصلاح”. دخولها الأكثر فعالية يحدث حين تنجح في إنتاج نخبة محلية جديدة تتبناها وحدث هذا قبل النيوليبرالية ومنذ الاستعمار، لا بالهتاف لها، بل بتقديمها كـ“عقلانية” و“علم” و“إدارة حديثة”. في السودان، هذا المسار بالغ الأهمية، لأن صراعنا لم يكن يوماً بين “دولة” و“سوق” فقط، بل بين من يملك حق تعريف الواقع، ومن يملك حق تسمية الألم، ومن يملك حق القول إن هذا الطريق هو الوحيد الممكن. وبهذا لا يغرنكم شكل مريم الصادق فى وجهها الطفولى تدعو للتدخل الاجنبى.
الكمبرادور في معناه الكلاسيكي—تاجرٌ وسيطٌ مرتبط بالسوق الخارجي—لا يزال موجوداً في السودان، لكن النيوليبرالية طوّرت أدواتها. أصبحت تحتاج إلى كادرٍ أكثر أناقة وأقل فجاجة: نخبة تتحدث لغة “الحوكمة” و“الإصلاح” و“الكفاءة” و“الشفافية”، وتبدو بعيدة عن السياسة، لكنها عملياً تؤدي وظيفة سياسية دقيقة: نزع السياسة عن الاقتصاد، وتحويل القرارات المصيرية إلى “إجراءات تقنية”، ثم تمريرها دون مقاومة اجتماعية واعية.
هذه النخبة الجديدة لا تأتي من فراغ. تُنتَج عبر ثلاث بيئات متداخلة في السودان: بيئة التعليم والخبرة الدولية، بيئة المنظمات والمانحين، وبيئة الإعلام العام والخاص. وفي كل بيئة تُزرع قيم محددة: تقديس السوق، الشك في الدولة، تحويل العدالة إلى “استهداف” ضيق، وإعادة تعريف المواطن كـ“مستفيد” لا كصاحب حق.
في البيئة الأولى—التعليم والخبرة الدولية—يظهر “الخبير” كسلطة فوق المجتمع. ليس مطلوباً منه أن يمتلك رؤية اجتماعية أو حساً سياسياً، بل أن يمتلك لغة الأرقام والنماذج والشرائح التقديمية. هنا يُعاد تشكيل العقل المهني بحيث يرى الفقر كمؤشر، والخبز كبند، والمرض كتكلفة، والتعليم كاستثمار فردي، والبطالة كـ“فجوة مهارات”. هذه اللغة تبدو محايدة، لكنها تحمل تحيزاً واضحاً: إنها تُبعد النقاش عن سؤال العدالة ومن يتحمل الكلفة، وتقرّبه من سؤال “كيف نجعل السوق يعمل”. وحين يصبح الاقتصاد مسألة تقنية، يصبح الاعتراض الشعبي “عاطفة”، ويصبح الخلاف حول السياسات “سوء فهم”.
في السودان، ظهر هذا النمط بقوة في لحظات التحول، لأن لحظات التحول تخلق عطشاً لـ“حلول سريعة” و“شرعية دولية”. عندها يتم استدعاء الخبراء بوصفهم المنقذين: يعرفون لغة المؤسسات الدولية، ويحملون مفرداتها، ويعدون بإعادة السودان إلى “المنظومة العالمية”. لكن المشكلة أن هذه الشرعية تُدفع أثمانها من جيوب الناس، وأن الخبرة المستوردة ليست بريئة؛ فهي غالباً مشروطة بإطار فكري مسبق: الدولة عبء، الدعم تشوه، السوق علاج. وهكذا، تتحول “الخبرة” إلى بوابة تمرر رؤية واحدة، مع تزيينها بأنها ضرورة لا نقاش حولها.
البيئة الثانية—المنظمات والمانحون—تصنع نموذجاً آخر للنخبة: نخبة “المشروعات”. هنا تتحول السياسة إلى إدارة تمويل، ويتحول التغيير الاجتماعي إلى مؤشرات أداء، ويتحول الفقراء إلى “مستهدفين”، ويتحول الحق إلى “خدمة”. ليست المشكلة في العمل الإنساني أو المدني كفكرة، بل في الطريقة التي تُبنى بها علاقات القوة داخل هذا المجال. ففي السودان، حيث الدولة ضعيفة أو منهارة في فترات طويلة، تأخذ المنظمات موقعاً شبه دولتي في تقديم الخدمات، ويصبح صوتها مسموعاً أكثر من صوت النقابات أو لجان الأحياء أو المنتجين. ومع الزمن، يتشكل نوع من “الإصلاح” الذي لا يهدف إلى بناء دولة قوية بل إلى إدارة الضعف: برامج قصيرة، تدخلات مجزأة، حلول مؤقتة، ومفردات محايدة تخاف من تسمية الجذور السياسية للاقتصاد.
هذا النمط ينتج نخبة تتقن لغة التمويل: كيف تكتب المقترح؟ كيف تترجم المأساة إلى نشاط ومخرجات؟ كيف تتجنب الصدام مع البنى العميقة للسلطة والاقتصاد حتى لا يتوقف الدعم؟ وهذه ليست اتهامات أخلاقية للأفراد، بل توصيف لبنية حقل كامل. النتيجة أن النيوليبرالية تتسلل عبر مناخ يبدو إنسانياً، لكنه عملياً يرسخ فكرة أن المجتمع لا يحتاج دولة عادلة، بل يحتاج “مشروعات” و“شبكات أمان” ممولة ومحدودة الزمن—أي إدارة للفقر بدل إنهائه.
البيئة الثالثة—الإعلام—هي الأكثر حسماً، لأنها تمنح كل ما سبق شرعية شعبية. النيوليبرالية تحتاج إلى “إجماع” لا إلى إقناع علمي فقط. الإعلام السوداني، وخاصة في مراحل ما بعد الأزمات، يميل إلى تبسيط الاقتصاد إلى شعارات: “الدعم دمار”، “السوق يصحح نفسه”، “نحن نحتاج صدمة إصلاحية”، “التعويم علاج مر”. ثم يستدعي خبراء يكررون الفكرة نفسها بطرق مختلفة، حتى تتحول إلى بديهية. في المقابل، تغيب أصوات المنتجين الحقيقيين: المزارعون، العمال، النقابيون، أصحاب الورش، صغار التجار، النساء العاملات في الاقتصاد غير الرسمي. وهكذا يصبح المجال العام محكوماً بأصحاب اللغة الناعمة، لا بأصحاب المعاناة الصلبة.
في السودان، يتضاعف خطر هذا المسار لأن المجتمع خرج من ثورة كبرى، لكن مؤسساته التمثيلية كانت هشّة أو مخترقة أو مقموعة. في الفراغ بين الشارع والدولة، تنمو قوة “الخبراء” و“التكنوقراط” و“المنظمات” و“الإعلاميين” الذين يقدمون أنفسهم بوصفهم خارج الاستقطاب. لكن “الخروج من الاستقطاب” قد يكون في كثير من الأحيان انحيازاً صامتاً للنظام الاقتصادي القائم. لأن السياسة لا تختفي حين تقول إنك محايد؛ بل تختفي فقط من الوعي، بينما تستمر في الواقع. والنيوليبرالية تستفيد من هذا تماماً: حين تُدار القرارات المصيرية بعيداً عن السياسة، تصبح أقرب إلى القدر.
كيف تُختبر هذه الفكرة عملياً في السودان؟ اختبرها في السؤال البسيط: من يملك حق تعريف الأزمة؟ إذا قيل لك إن الأزمة “عجز ميزانية” فقط، فالحل سيكون رفع الدعم وتقليص الدولة. وإذا قيل لك إن الأزمة “اقتصاد حرب” و“نهب موارد” و“احتكار” و“غياب عدالة ضريبية”، فالحل سيكون تنظيم الموارد، ومحاسبة الناهبين، وبناء مؤسسات، وتغيير ميزان القوة. النخبة النيوليبرالية تحاول دائماً حصر تعريف الأزمة في نطاق يسمح بحل واحد. وهذا هو جوهر سلطتها.
هذه النخبة الجديدة لا تعمل وحدها، بل تتلاقى موضوعياً مع مصالح الكمبرادور التقليدي والاقتصاد الطفيلي. فالتاجر الكبير يستفيد من التعويم ومن انفلات السوق، والخبير يبرر ذلك باعتباره “تحريراً ضرورياً”، والمنظمة تعالج الأثر عبر شبكة أمان عن مؤقتة، والإعلام يطبع الخطاب. هكذا تتكامل الأدوار، ويصبح الألم منتجاً سياسياً يُدار، لا كارثة تُنهى.
النقد هنا ليس دعوة لرفض كل خبير أو كل منظمة أو كل إعلامي. المسألة ليست شخصية. المسألة هي: من يحدد الإطار؟ من يملك اللغة؟ من يملك المنصة؟ ومن يدفع الكلفة؟ إذا كانت النخبة “المحايدة” عاجزة عن تسمية من يربح من الأزمة ومن يخسر، وعاجزة عن مواجهة الاحتكار والتهريب والنهب، لكنها شجاعة جداً حين يتعلق الأمر بجيب الفقير، فهذه ليست حياداً؛ هذه وظيفة ضمن منظومة.
والسودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من “الحياد” الذي يفرغ السياسة من معناها، بل إلى إعادة السياسة إلى الاقتصاد: أن يكون النقاش حول الدعم والعملة والخصخصة نقاشاً حول العدالة والموارد والحقوق، لا مجرد تمرين في لغة المؤسسات. لأن أخطر ما فعلته النيوليبرالية في دول الجنوب لم يكن فقط رفع الأسعار، بل إقناع الناس أن هذا ليس خياراً سياسياً بل “علم”.
إذا أردنا أن نواصل تفكيك النيوليبرالية في السودان بجدية، فعلينا أن نراقب ليس فقط القرارات، بل من يصنع المعنى حولها. فالسلطة ليست دائماً في القصر أو الثكنة؛ أحياناً تكون في اللغة التي تُقال على الشاشات، وفي “النصيحة” التي تأتي باسم الخبرة، وفي مشروع يُدار باسم الإنسانية، وفي تقرير يُكتب باسم الحوكمة. هناك، في هذه المساحات الناعمة، تتخلق النخبة النيوليبرالية الجديدة—وهناك أيضاً يجب أن تُواجه، لا بالتخوين، بل بالتعرية والتحليل والمساءلة.
في البوست القادم يمكن أن نذهب خطوة أبعد: كيف تتقاطع هذه النخبة مع اقتصاد الحرب تحديداً في السودان؟ وكيف تتحول “إدارة الأزمة” إلى صناعة قائمة بذاتها؟.
