رحيل هادئ لفيلسوف السينما المصرية

كتبت ألفت مدكور:
برحيل داود عبد السيد يغلق فصل كامل من فصول تاريخ السينما المصرية. سينما داود هي احد الفصول المهمة في هذا التاريخ مات وقضاياه مازالت حية.
المخرج داود عبد السيد هو عازف الحزن المصري عبر الزمن على خلفية الفكاهة والمرارة والغضب الشفيف، والرحمة والرفق بالإنسان رغم كل دناءاته وإنحطاطاته.. هو عازف الألم المصري على خلفية الفكرة الواقعية والتحولات الاجتماعية المؤلمة.. وهو عازف الروح المصرية في كل تحولاتها الدراماتيكية بملامح مصرية حصرًا. والإنسان عند داود عبد السيد هو الكائن الهش، لكن القادر على مراوغة الحياة. يمتلك الإنسان المصري في عالم داود عبد السيد السينمائي صفاته وملامحه الإنسانية العامة.
فإذا أردت أن تدرك الإنسان في ضعفه وقوته ومواجهة مجتمعه، فاسأل داوود عبد السيد في فيلمه ” البحث سيد مرزوق” .
وإذا أردت أن تكتشف البصيرة ورؤية قاع المجتمع والفقر والحرمان، فاسأل داوود عبد السيد فى فيلم ” الكيت كات”.
إذا أردت أن تعرف كيف يغترب المرء في ذاته حتى ينسى اسمه، وكيف تصبح “المهمة” سجنًا والفساد نظامًا.. فأسأل داوود عبد السيد في فيلمه “أرض الخوف”.
إذا أردت أن تفهم كيف تذوب الفوارق بين المثقف والسلطة والبلطجة في وعاء واحد، وكيف تُسرق الأوطان بابتسامة “الشركة”.. فأسأل داوود عبد السيد في “مواطن ومخبر وحرامي”.
إذا أردت أن تبحث عن بقايا روح “الإسكندرية” في زجاجات الرسائل الضائعة، وتعرف أن الحب هو القوة الوحيدة لمواجهة التلعثم والزمن.. فأسأل داوود عبد السيد في “رسائل البحر”.
رحل فيلسوف السينما، وترك لنا إرثاً سينمائي عميق لنواصل من خلاله رحلة النضال مع القضايا الإنسانية والاجتماعية التي طرحها.
لم يقدم المخرج المصري داود عبد السيد إلا القليل مما كان لديه من أعمال فنية .
أبرز أفلامه الروائية:
الصعاليك (1985)
البحث عن سيد مرزوق (1990)
الكيت كات (1991)
أرض الأحلام (1993)
سارق الفرح (1995)
أرض الخوف (1999/2000)
مواطن ومخبر وحرامي (2001)
رسائل البحر (2010)
قدرات غير عادية (2015)
أفلام تسجيلية:
كما أخرج أفلامًا تسجيلية مهمة في بداية مسيرته، منها “وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم” (1976), “العمل في الحقل” (1979), و”عن الناس والأنبياء والفنانين” (1980).
من الصعب الحديث عن الصفات الشخصية لهذا المخرج المصري. لكنه في الوقت الذي امتلك فيه صفاته الإنسانية العامة، وسماته البشرية الطبيعية، منحته الطبيعة ملامحه المصرية الأصيلة في صورة طبق الأصل من أجداده القدامى، فصارت ملامحه كما لو كان صورة حية من وجه أبو الهول، أو أخناتون.
وضع داود عبد السيد أسسًا مهمة لسينما مختلفة ضد القبح والسطحية والاستسهال، ارتبطت فيها الصورة التركيبة النفسية والعمق الفلسفي، فمنح الفن فضاءات أوسع لفهم الإنسان، وإدراك أخطائه، والرفق بالإنسان في أحط لحظات حياته، وأسوأ لحظات اختياراته التي عادة ما تكون شحيحة للغاية، عبر رؤية عامة وشاملة قائمة على فلسفة إنسانية- اجتماعية. فأضحك وأبكى مشاهديه، وطبطب على قلوب بعضهم، ومزَّق أرواح البعض، وجعلهم في نهاية المطاف يضحكون على أنفسهم عندما يكونون قساة وسفلة ومستهترين، ويسخر من مصادر العنف والظلم والفساد والغطرسة.
ـــ التكريمات المحلية والدولية
حصل فيلمه الأول “الصعاليك” على جائزة تقديرية للعمل الأول من مهرجان أسوان الأكاديمي عام 1985، كما نال فيلم “أرض الخوف” جائزة الهرم الفضي من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وحاز على جائزة أفضل سيناريو من مهرجان البحرين الأول عن نفس الفيلم، بالإضافة إلى جوائز أحسن فيلم وأحسن إخراج من مهرجان جمعية الفيلم عام 1999.
وحصل عن فيلمه مواطن ومخبر وحرامى على جائزة أفضل فيلم وأحسن إخراج من المهرجان القومى للسينما، وجائزة أحسن فيلم وأحسن إخراج وأحسن سيناريو من مهرجان جمعية الفيلم، عام 2001.

وفي عام 2013، تم اختيار ثلاثة من أفلامه وهي الكيت كات، أرض الخوف، ورسائل البحر ضمن قائمة أهم 100 فيلم عربي، والتي أصدرها مهرجان دبي السينمائي الدولي، كما تم تكريمه في مهرجان الجونة السينمائي عام 2018 عن مجمل أعماله.
داود عبد السيد فى آخر حواراته بجريدة المصري اليوم 2022 بعد حصوله على جائزة النيل للفنون.
عن لماذا اختار الانزواء بديلاً عن المواجهة؟ قال: جيلى يتآكل… و قرار الاعتزال الشخصى، يراه اعتزال جيل، فأبناء جيله ابتعدوا عن السينما، مثل بشير الديك وخيرى بشارة وعلى بدرخان بعد حدوث تغيير كبير فى شخصية الجمهور المصرى، فلا يوجد منتج فى الوقت الحالى يدعوك لعمل فيلم، لأنه يريد نوعا محددا من السينما، وهى السينما التجارية سريعة الربح، وهو ليس لديه اعتراض عليها، لكن هذا النوع لا يقدمه ولا يؤمن به وبعض الآخرين.
الفن ليس رسالة من وجهة نظره لكنه تجربة ، تعيش عالما مكثفا فى ساعتين أو ساعة ونصف، فمن الممكن أن تعيش تجربة فى الحياة، والفن يكثف هذه التجربة ، الفن ليس دعائيًا أو إرشاديًا، والفن لا يقدم حلولا، إنه يقدم تجربة، فكرة تغيير القوانين.
أعلن المخرج الراحل اعتزاله الإخراج السينمائي فى نهاية عام 2021، وقال وقتها إنه لم يتخذ وقتًا طويلًا للتفكير في القرار، مشيرا إلى أنه أدى رسالته الفنية عبر أعماله التي قدمها منذ سبعينيات القرن الماضي.
رحل عن عالمنا داود عبد السيد لكن أسئلته لم ترحل
كان يرى السينما كمساحة للشك ولتفكيك اليقين وللإنصات إلى الإنسان وهو يواجه نفسه لم يقدم إجابات جاهزة بل تركنا في مواجهة المعنى والحرية والخوف والاختيار
برحل داود عبد السيد كأن السينما فقدت مرآتها الأكثر صدقا كان يؤمن أن الإنسان كائن حائر وأن الحقيقة لا تقال كاملة أبدًا.
ولد داود عبد السيد عام ١٩٤٦ تخرج من معهد السينما عام ١٩٦٧ ورحل عن عمر ٧٩ عام ٠
