أخبارالشرق قادمالعرب وافريقياعاجلمقالات

النيوليبرالية والسلام .. ماذا يعنى كسر اقتصاد الحرب؟

كتب محمد إسماعيل:

هذا المقال استكمال لسلسلة مقالات عن النيولبرالية  و إجابة على السؤال التقليدي: كيف تقود السياسات الاقتصادية إلى الحرب؟ و إلى سؤال أكثر إزعاجاً وعمقاً: كيف تعيش النيوليبرالية على الحرب؟ وكيف تتحول لحظات الانهيار، لا إلى استثناء مؤلم، بل إلى فرصة سوقية كاملة تُعاد فيها صياغة الاقتصاد، والدولة، وحتى معنى السلام نفسه؟.

واحرص على عدم تكرار ما تناولناه سابقاً عن جذور الحرب الاقتصادية أو عن تفكك الدولة، بل للانتقال خطوة أخرى: من منطق “الحرب كنتيجة” إلى منطق “الحرب كنمط عمل” داخل المنظومة النيوليبرالية، مع التركيز على السودان.

في الخطاب السائد، تُقدَّم الحرب دائماً بوصفها انقطاعاً عن “الطبيعي”، وانهياراً مؤقتاً لمسار التنمية، وخللاً يجب إصلاحه للعودة إلى السوق والاستقرار وهذا ما ظلت الرباعية وغيرها من المبادرات محاولة ايصاله للكل. لكن هذا الخطاب يخفي حقيقة مهمة: النيوليبرالية لا تتعطل بالحرب دائماً، بل كثيراً ما تعيد تنظيم نفسها من خلالها. فحين تنهار الدولة، لا ينهار السوق؛ بل يتحرر من القيود الأخيرة. وحين يتفكك العقد الاجتماعي، لا تختفي المصالح الاقتصادية؛ بل تبحث عن قنوات جديدة، أكثر مرونة، وأقل خضوعاً للمساءلة.

في السودان، الحرب لم توقف الاقتصاد؛ بل غيّرت شكله. انتقلنا من اقتصاد هش تديره دولة ضعيفة، إلى اقتصاد حرب تُدار فيه الموارد عبر شبكات: سلاح، تهريب، إغاثة، أمن خاص، تمويل خارجي، ومنصات إنسانية. هذا التحول لم يكن عشوائياً، بل يتماشى مع منطق نيوليبرالي معروف: حين تفشل الدولة، لا تُبنى بديلة عنها فوراً، بل يُدار الفراغ عبر السوق، حتى لو كان سوقاً قائماً على المأساة.

أحد أخطر هذه التحولات هو ما يمكن تسميته “اقتصاد الإغاثة”. في السودان، ومع اتساع الكارثة الإنسانية، أصبحت الإغاثة ليست فقط استجابة أخلاقية، بل قطاعاً اقتصادياً كاملاً: تمويل، وظائف، عقود، سلاسل توريد، تقارير، مؤشرات، وتنافس على الموارد. المشكلة هنا ليست في الإغاثة نفسها، بل في تحولها إلى بديل ضمني للدولة، وإلى آلية لإدارة الأزمة لا لإنهائها. فحين تُبنى الاستجابة الإنسانية على منطق “الاستدامة” داخل الأزمة، لا على الخروج منها، يصبح استمرار الحرب شرطاً موضوعياً لاستمرار التمويل والنشاط.

وهنا يتقاطع ما كتبناه سابقاً عن النخبة النيوليبرالية المحلية مع واقع الحرب. فتنشأ فئة من الوسطاء: خبراء، منسقون، استشاريون، ومؤسسات، يتقنون لغة “الاستجابة”، ويديرون الأزمة بكفاءة تقنية عالية، لكن من دون مساءلة سياسية عن جذورها. تصبح الحرب “سياقاً”، لا نتيجة. ويصبح الجوع “حالة”، لا جريمة اقتصادية. وتتحول المعاناة إلى “احتياج”، لا إلى سؤال: من دمّر؟ ومن يستفيد؟.

ثم نصل إلى مرحلة أخرى أكثر خطورة: إعادة الإعمار قبل السلام. في المنطق النيوليبرالي، لا يُنتظر السلام الكامل لإعادة الاستثمار، بل يُنظر إلى الدمار بوصفه فرصة. تُطرح مشاريع إعادة الإعمار كحقل مفتوح للشركات، والقروض، والشراكات، والخصخصة، غالباً في غياب دولة ذات سيادة أو تمثيل شعبي. في هذه اللحظة، لا يُسأل: كيف نعيد بناء المجتمع؟ بل: كيف نعيد بناء البنية التحتية بأقل كلفة وأعلى ربح؟.

وهكذا يصبح السلام نفسه مشروعاً اقتصادياً، لا عملية سياسية واجتماعية.

في السودان، هذا الخطر ماثل بقوة. فمع استمرار الحرب، تتزايد الأحاديث عن “اليوم التالي”، وعن إعادة الإعمار، وعن جذب الاستثمارات، في وقت لم تُحسم فيه بعد أسئلة العدالة، والمحاسبة، وتوزيع الموارد. النيوليبرالية هنا تُسرّع الزمن: تقفز فوق السياسة إلى السوق، وتُعيد إنتاج نفس الخلل الذي قاد إلى الحرب أصلاً، لكن في نسخة “ما بعد الدمار”.

جانب آخر لا يقل خطورة هو خصخصة الأمن. في لحظات الانهيار، حين تفقد الدولة احتكارها للعنف، تظهر شركات الأمن، والحراسة، والتأمين، والخدمات اللوجستية المسلحة. الأمن يتحول من حق عام إلى خدمة مدفوعة. ومن يملك المال يشتري الأمان، ومن لا يملكه يعيش في الهشاشة. هذا النموذج ليس طارئاً؛ بل جزء من منطق نيوليبرالي عالمي يرى في الأمن سوقاً، لا وظيفة سيادية. وفي السودان، حيث السلاح منتشر، يصبح هذا المسار وصفة لإدامة العنف، لا لاحتوائه.

الأخطر من كل ذلك هو أن الحرب، في هذا السياق، لا تُرى كفشل للسياسات الاقتصادية السابقة، بل كفرصة لإعادة تشغيلها دون مقاومة اجتماعية. ففي زمن السلم، قد يواجه رفع الدعم أو الخصخصة أو فتح الموارد معارضة شعبية. أما في زمن الحرب، فإن المجتمع منهك، مشتت، يبحث عن النجاة. وهنا تُمرَّر السياسات بأقل كلفة سياسية، تحت غطاء الطوارئ، أو الضرورة، أو “الواقعية”.

بهذا المعنى، تصبح الحرب لحظة نيوليبرالية خالصة:

دولة ضعيفة،

مجتمع مفكك،

سوق مرن،

قرارات سريعة بلا مساءلة،

وخطاب أخلاقي يطلب الصبر ويؤجل العدالة.

رما سبق في السلسلة يوضح الصورة أكثر. ما كتبناه عن تفكك الدولة، وعن النخبة “المحايدة”، وعن أسطورة “لا بديل”، وعن الموارد كغنائم، كلها تلتقي هنا. الحرب ليست خروجاً عن المسار، بل تكثيفاً له. وهي لا تُدار فقط بالرصاص، بل بالتمويل، والعقود، والخبرات، واللغة، والأسواق الجديدة التي تنشأ حول المأساة.

لهذا، فإن الحديث عن السلام في السودان لا يمكن أن يكون حديثاً أمنياً فقط، ولا تفاوضياً فقط، ولا إنسانياً فقط. السلام الحقيقي يتطلب كسر الاقتصاد الذي يعيش على الحرب، لا مجرد إسكات البنادق. ويتطلب مساءلة من يستفيد من استمرار الأزمة، لا فقط من أطلق الرصاصة الأولى.

 

زر الذهاب إلى الأعلى