عاجلمقالات

النيوليبرالية والطبقة الوسطى

كتب محمد إسماعيل:

نواصل في هذه السلسلة تفكيك النيوليبرالية من زواياها المختلفة، بعد أن تناولنا علاقتها بالدولة، والنخبة المحلية، والحرب، والموارد، والوعي. في هذه المرة نقترب من محور بالغ الحساسية في التجربة السودانية: الطبقة الوسطى. ليس بوصفها فئة اجتماعية “مريحة” أو “محايدة”، بل بوصفها ركيزة سياسية وأخلاقية لأي مجتمع يسعى للاستقرار والديمقراطية. والسؤال هنا ليس إن كانت الطبقة الوسطى قد تراجعت في السودان—فهذا واقع—بل: لماذا يُعاد تفكيكها عمداً في ظل النيوليبرالية؟ ولماذا تُعدّ خطراً على هذا النموذج؟

الطبقة الوسطى، تاريخياً، ليست مجرد مستوى دخل. هي شبكة من الوظائف المستقرة نسبياً، والتعليم، والمهارات المهنية، والقيم المرتبطة بالقانون والمؤسسات، والقدرة على التفكير خارج منطق البقاء اليومي. وهي أيضاً الفئة التي تملك ما يكفي من الأمان لتطالب، وما يكفي من الاستقلال لتنتقد، وما يكفي من التنظيم لتضغط انها ما يسميه بعض الماركسيين البرجوازية الصغيرة. لهذا السبب، لم تكن الطبقة الوسطى في أي مكان محايدة سياسياً؛ بل كانت دائماً حاملة لفكرة الدولة، والمواطنة، والحقوق. وحتى وان كانت انحيازاتها دوما اصلاحية وليست جذرية

النيوليبرالية ترى في هذه الطبقة مشكلة مزدوجة. فهي من جهة ليست فقيرة بما يكفي لتُدار عبر الإغاثة والاحتياج، ومن جهة أخرى ليست غنية بما يكفي لتندمج كلياً في مصالح رأس المال. هي فئة “بين بين”، قادرة على مساءلة السياسات، وعلى بناء خطاب عام، وعلى ربط الاقتصاد بالسياسة. لذلك يصبح تفكيكها—لا بالضرورة عبر قرار واحد، بل عبر مسار طويل—جزءاً من منطق النيوليبرالية نفسها.

في السودان، جرى هذا التفكيك عبر آليات متراكمة، لا عبر حدث واحد. لم تُستهدف الطبقة الوسطى بالخطاب، بل بالاقتصاد اليومي. تآكل الأجور الحقيقية بفعل التضخم، وانهيار العملة، ورفع الأسعار، وتحميل الضرائب غير المباشرة، كل ذلك جعل الوظيفة العامة والمهن المنظمة تفقد قدرتها على توفير حياة مستقرة. لم يعد المعلم، أو الموظف، أو الفني، أو المهندس، أو الطبيب، قادراً على العيش من دخله. ومع تراجع قيمة العمل المنظم، تراجعت معه قيمة الانتماء المؤسسي والقانوني.

الأخطر أن هذا التفكيك لم يُقدَّم بوصفه أزمة، بل بوصفه “واقعاً يجب التكيف معه”. طُلب من أبناء الطبقة الوسطى أن يتحولوا إلى أفراد مرنين: يعملون في أكثر من وظيفة، يدخلون الاقتصاد غير الرسمي، يهاجرون، أو يبحثون عن مصادر دخل سريعة خارج مهنتهم. هكذا جرى تفريغ الطبقة الوسطى من معناها: بقيت الشهادات، لكن اختفت الاستقرار؛ بقي التعليم، لكن غاب الأمان؛ بقيت المهارات، لكن انقطعت الصلة بين الجهد والمردود.

لماذا يُعدّ هذا التفكيك خطيراً على المجتمع، ومفيداً للنيوليبرالية؟ لأن الطبقة الوسطى حين تنهار، ينهار معها المجال العام. تختفي المساحة التي كانت تربط بين الدولة والمجتمع، وبين الفقراء والأغنياء، وبين السياسة والمعيشة. ومع اختفائها، لا يبقى سوى طرفين: نخبة صغيرة تملك المال والقوة، وجموع واسعة تعيش في الهشاشة. في هذا الاستقطاب الحاد، تصبح السياسة إما امتيازاً للنخبة، أو صراع بقاء للفقراء.

في السودان، أدى هذا الفراغ إلى نتائج سياسية واجتماعية عميقة. حين تراجعت الطبقة الوسطى، تراجع معها العمل النقابي المستقل، والنقاش العام المنظم، والقدرة على إنتاج خطاب سياسي عقلاني طويل النفس. في هذا الفراغ، برزت قوى أخرى تملك أدوات مختلفة: العسكرة، لأنها تملك التنظيم والسلاح؛ الطائفية، لأنها تملك شبكات ولاء تقليدية؛ والجهوية، لأنها توفر هوية جاهزة في زمن القلق. هذه القوى لا تنشأ من فراغ، لكنها تتضخم حين تغيب الطبقة القادرة على بناء سياسة مدنية حديثة.

من المهم هنا أن نلاحظ أن سحق الطبقة الوسطى لا يؤدي فقط إلى الفقر، بل إلى تشوه الوعي السياسي. فحين يعيش الناس تحت ضغط دائم، يصبح التفكير قصير الأمد هو السائد. تُستبدل المطالب المؤسسية بمطالب آنية، ويُستبدل النقاش حول السياسات بالبحث عن حماية، أو انتماء، أو زعيم قوي. وهكذا يصبح المجتمع أكثر قابلية للعسكرة، وأقل قدرة على الدفاع عن السياسة المدنية.

النيوليبرالية تستفيد من هذا الوضع بطريقتين. الأولى أنها تُضعف القوى الاجتماعية القادرة على مساءلتها. والثانية أنها تُحوّل الصراع من صراع حول السياسات الاقتصادية إلى صراعات هوياتية وأمنية. في هذه الحالة، تُدار الأزمات دون معالجة جذورها، ويستمر الاقتصاد في العمل وفق منطق السوق المنفلت، بينما ينشغل المجتمع بصراعات جانبية.

في السودان، لا يمكن فهم هشاشة الانتقال السياسي، ولا سرعة انزلاق البلاد إلى الحرب، دون النظر إلى هذا العامل. ثورة قادتها في جوهرها فئات من الطبقة الوسطى المتعلمة، لكنها وجدت نفسها بلا قاعدة اقتصادية تحميها، وبلا مؤسسات قادرة على استيعاب مطالبها. ومع استمرار التدهور المعيشي، تآكلت هذه القاعدة، وانهار التوازن الاجتماعي الذي كان يمكن أن يحمي المسار المدني.

هذا المقال لا يرثي الطبقة الوسطى بوصفها “ضحية نبيلة”، ولا يدعو إلى حنين رومانسي لماضٍ مستقر. بل يطرح سؤالاً سياسياً مباشراً: ما الذي يحدث لمجتمع تُسحق فيه الفئة القادرة على ربط الاقتصاد بالسياسة، والعيش بالحقوق؟

الإجابة السودانية واضحة: يتسع العنف، وتضيق السياسة، ويصبح الاستقرار حلماً بعيداً.

نواصل في هذه السلسلة تفكيك النيوليبرالية ليس بهدف الإدانة المجردة، بل لفهم كيف تُعاد صياغة المجتمع من الداخل. وأدعو القراء، كما في المرات السابقة، لمواصلة اقتراح محاور يرون أنها تستحق النقاش، لأن ما نكتبه هنا محاولة جماعية لفهم ما جرى—وما يجري—قبل أن نصل، في الوقت المناسب، إلى سؤال البدائل.

زر الذهاب إلى الأعلى