النيوليبرالية والهجرة

كتب محمد إسماعيل:
نواصل في هذه السلسلة من ال المقالات تفكيك النيوليبرالية من زواياها المختلفة، وبعد تناولنا تفكيك الدولة، والنخبة المحلية، والحرب، و فىالموارد، والطبقة الوسطى، نصل هنا إلى محور شديد الحضور في التجربة السودانية وتجارب دول الجنوب عموماً: الهجرة.
ليس بوصفها حركة بشرية طبيعية فقط، بل بوصفها آلية اقتصادية وسياسية تُعيد النيوليبرالية من خلالها إدارة الفشل البنيوي، وتحويله إلى خيار فردي، بل إلى “نجاح شخصي”.
الهجرة في الخطاب النيوليبرالي تُقدَّم كقصة فردية: شخص طموح، قرر أن يبحث عن فرص أفضل، استثمر في نفسه، ونجح بالخروج من واقع صعب. هذه القصة، رغم صدقها في حالات كثيرة، تُستخدم لإخفاء حقيقة أعمق: أن الهجرة ليست حلاً فردياً لأفراد فقط، بل أصبحت بديلاً منظماً عن بناء اقتصاد وطني. حين تعجز الدولة عن توفير العمل الكريم، وحين تُسحق الطبقة الوسطى، وحين يُترك الإنتاج بلا حماية، تُقدَّم الهجرة كالمخرج “العقلاني” الوحيد.
في السودان، هذا التحول واضح ومؤلم. خلال العقود الماضية، لم تعد الهجرة استثناءً أو مغامرة فردية، بل أصبحت خياراً شبه إلزامي لفئات واسعة: الأطباء، المعلمون، المهندسون، الفنيون، الشباب المتعلم، بل وحتى العمال غير المهرة. لم يعد السؤال: “هل أهاجر؟” بل: “متى؟ وكيف؟ وإلى أين؟”. هذا التحول في ذاته مؤشر على أزمة بنيوية، لا على ضعف طموح فردي.
النيوليبرالية تستفيد من هذا المسار بطريقتين متكاملتين. الأولى أنها تُفرغ المجتمع من قواه الحية دون أن تتحمل كلفة إعادة إنتاجها. الدولة تنفق على التعليم الأساسي والجامعي—ولو بحده الأدنى—ثم يغادر الخريجون ليعملوا في اقتصادات أخرى. بهذا المعنى، تتحول الهجرة إلى نقل غير معلن للقيمة من دول الجنوب إلى دول المركز. لا تُنهب الموارد الطبيعية فقط، بل تُصدَّر الكفاءات نفسها.
الطريقة الثانية هي تحويل الهجرة إلى صمام أمان سياسي. حين يغادر الغاضبون والمهمَّشون، يخف الضغط الداخلي. وحين يصبح “الخلاص الفردي” ممكناً عبر السفر، يتراجع الإلحاح على التغيير الجماعي. في السودان، كثير من الطاقات التي كان يمكن أن تشكل قاعدة اجتماعية لإصلاح طويل النفس، وجدت نفسها موزعة بين المنافي، تبحث عن الاستقرار الشخصي، بينما تُترك الساحة الداخلية لقوى العنف أو الشبكات التقليدية. ليست هذه خيانة فردية، بل نتيجة منطقية لاقتصاد يدفع الناس دفعاً إلى الخارج.
الخطير في الخطاب النيوليبرالي حول الهجرة أنه يُعيد تعريفها كنجاح، لا كخسارة. تُحتفى قصص “النجاة” الفردية، بينما تُهمَّش الأسئلة الصعبة: ماذا يعني أن يفقد بلد مثل السودان عشرات الآلاف من أطبائه ومعلميه؟ ماذا يعني أن يتحول التحويل المالي من الخارج إلى ركيزة أساسية لبقاء الأسر، بدل أن يكون الإنتاج المحلي هو الأساس؟ ماذا يعني أن يُدار الاقتصاد على افتراض أن جزءاً كبيراً من السكان سيغادر، وأن من يبقى عليه أن يتكيف مع الندرة؟
في دول الجنوب، تُقدَّم التحويلات المالية للمغتربين كإنجاز اقتصادي. لكن هذا “الإنجاز” يخفي مفارقة قاسية: نحن نعيش على عرق من غادروا لأن الداخل لم يعد قادراً على احتضانهم. التحويلات لا تبني صناعة، ولا تُصلح زراعة، ولا تُنشئ بنية تحتية. هي تُخفف الألم اليومي، لكنها تُرسّخ نموذجاً يعتمد على الخارج، ويؤجل المواجهة مع أسباب الأزمة.
في السودان، تتقاطع الهجرة أيضاً مع الحرب. فالحرب لا تُسرّع الهجرة فقط، بل تُحوّلها إلى مسار قسري. ومع اتساع النزوح الداخلي والخارجي، يصبح “الخروج” هو الاستجابة الوحيدة المتاحة، بينما تُغلق السياسة، ويُغلق الاقتصاد، ويُختزل الأمل في النجاة الفردية. هنا تصل النيوليبرالية إلى ذروتها الأخلاقية: الفرد ينجو، والمجتمع يتفكك.
من المهم التأكيد على أن نقد هذا المسار لا يعني إدانة المهاجرين، ولا التقليل من شجاعتهم أو حقهم في حياة أفضل. على العكس، النقد موجَّه إلى المنظومة التي تجعل الهجرة الخيار الأكثر عقلانية، ثم تتباهى بقدرتها على “تصدير العمالة” و“جذب التحويلات”، بدل أن تُسأل عن فشلها في خلق شروط البقاء الكريم.
في تجارب أخرى من دول الجنوب، نرى النمط نفسه. في أمريكا اللاتينية، وفي شمال أفريقيا، وفي جنوب آسيا، تُستخدم الهجرة كجزء من إدارة الاقتصاد: تصدير البشر، استيراد العملات، تخفيف الضغط الاجتماعي، وربط الاستقرار الداخلي بتقلبات الخارج. هذا ليس عرضاً جانبياً للنيوليبرالية، بل جزء من منطقها: حين يعجز السوق عن خلق وظائف هنا، يُرسل الناس إلى سوق آخر.
الهجرة، بهذا المعنى، ليست مجرد حركة سكانية، بل سياسة غير معلنة. سياسة تقول: لا نستطيع—أو لا نريد—بناء اقتصاد شامل، فليبحث الأفراد عن حلولهم بأنفسهم. وهذه السياسة تُضعف أي مشروع وطني طويل الأمد، لأنها تُجزّئ المجتمع إلى مسارات فردية، وتُفرغ الداخل من القوى القادرة على التغيير.
في سياق هذه السلسلة، يتضح كيف يتكامل هذا المحور مع ما سبق. تفكيك الطبقة الوسطى يدفع للهجرة. الحرب تُسرّعها. النخبة “المحايدة” تُبررها بوصفها خياراً عقلانياً. والموارد المنهوبة لا تُستثمر في خلق فرص، بل في إدارة الأزمات. كل ذلك يصب في نموذج واحد: اقتصاد لا يحتاج الناس بقدر ما يحتاج تدفق الأموال، أينما كان مصدرها.
نقد النيوليبرالية هنا يعني إعادة طرح السؤال الأساسي: هل نريد اقتصاداً يبقى فيه الناس، أم اقتصاداً يُدار على افتراض رحيلهم؟ هل نريد دولة ترى مواطنيها رأس مال بشرياً يجب استثماره داخلياً، أم فائضاً يمكن تصديره؟ هذه الأسئلة ليست نظرية، بل تمس مستقبل السودان ومستقبل أجياله.
