
كتب محمد إسماعيل:
نواصل في هذه السلسلة تفكيك النيوليبرالية من زواياها المختلفة، ونصل هنا إلى واحد من أكثر آثارها حضوراً في الحياة اليومية للناس: العمل. ليس بوصفه مشكلة بطالة فقط، بل بوصفه مجالاً أُعيدت صياغته بالكامل. في السودان، لم يعد السؤال: هل أعمل أم لا؟ بل: كيف أعمل؟ وبأي شروط؟ وإلى متى؟ وكيف أصبح الشغل نفسه مصدراً للقلق بدل أن يكون أساساً للكرامة والاستقرار، خاصة لدى الشباب.
النيوليبرالية لا تكتفي بتقليص فرص العمل؛ بل تغيّر طبيعة العمل. تنتقل من اقتصاد الوظائف—حيث العقد، والراتب، والحقوق، والأفق—إلى اقتصاد “الفرص”: عمل مؤقت، بلا ضمان، بلا حماية، وبلا مسار واضح. يُقال للشباب: السوق مفتوح، والفرص كثيرة، كن مرناً، طوّر نفسك، اشتغل حرّ. لكن خلف هذه اللغة الناعمة، يحدث أمر أكثر قسوة: تفكيك فكرة العمل كحق اجتماعي، وتحويله إلى مغامرة فردية يتحمل صاحبها كل المخاطر.
في السودان، يتجلى هذا التحول بوضوح. تآكلت الوظائف العامة، وضعفت المهن المنظمة، وتراجع القطاع الإنتاجي القادر على خلق عمل مستقر. في المقابل، توسّع الاقتصاد غير الرسمي: أعمال يومية، تعاقدات شفوية، وساطة، خدمات مؤقتة، تجارة هامشية. هذا ليس “ريادة أعمال” بالمعنى المتداول، بل اقتصاد هشاشة. العامل هنا لا يملك عقداً، ولا تأميناً، ولا حماية من الفصل، ولا قدرة على التخطيط للمستقبل. يعيش من يوم إلى يوم، ويُطلب منه في الوقت نفسه أن يكون “طموحاً” و“إيجابياً”.
اللغة التي ترافق هذا التحول مهمة. لا يُقال إن العمل فقد حقوقه، بل يُقال إن العامل صار “حراً”. لا يُقال إن الأمان الوظيفي انهار، بل يُقال إن السوق “مرن”. لا يُقال إن المخاطر نُقلت من المؤسسات إلى الأفراد، بل يُقال إن الفرد صار “مسؤولاً عن نفسه”. بهذه اللغة، يُعاد تعريف الخسارة بوصفها اختياراً، والفشل بوصفه نقص مهارات، لا نتيجة بنية اقتصادية مختلة.
الشباب في السودان هم الفئة الأكثر تضرراً من هذا التحول. يدخلون سوق عمل بلا أبواب واضحة: تعليم لا يقود إلى وظيفة، تدريب بلا توظيف، خبرة مطلوبة بلا فرصة لاكتسابها. يُطلب منهم أن يشتغلوا “أي حاجة”، وأن يقبلوا بأي أجر، وأن يصبروا، وأن “يستثمروا في أنفسهم”. ومع كل ذلك، يُلامون إن فشلوا. هكذا يصبح الشغل، بدل أن يكون مصدراً للكرامة، مصدر ضغط نفسي دائم: قلق من الغد، خوف من المرض، عجز عن تكوين أسرة، وإحساس باللاجدوى. واحيانا يصبح عبثيا مثل المثال الذى كتبته فى بوست سابق على سبيل المزاح عن البنات السودانيات الذين يبيعون منتجات شعبية كانت تبيعها امهاتهم ويطلقون عليها براند او اسم تجارى.
الأخطر أن النيوليبرالية لا ترى في هذا الوضع مشكلة، بل تراه وضعاً طبيعياً. فالعامل الهش أسهل إدارةً، وأقل مطالبةً بالحقوق، وأسرع قبولاً بالشروط. ومع غياب التنظيم النقابي الفعّال، وتفكك الطبقة الوسطى، يصبح العامل فرداً معزولاً في مواجهة سوق قاسٍ. هنا لا تُكسر حقوق العمل فقط، بل تُكسر القدرة على المطالبة بها.
في السودان، يتقاطع هذا المسار مع الحرب والأزمة الاقتصادية، لكن جذوره أعمق. حتى قبل الحرب، كان العمل يتجه نحو الهشاشة: وظائف بعقود قصيرة، رواتب لا تكفي، غياب للتأمين الاجتماعي، وانتشار للوساطة. الحرب سرّعت هذا الاتجاه، لكنها لم تخلقه. ومع الانهيار، صار العمل نفسه—أي عمل—امتيازاً، لا حقاً. وهذا أخطر ما في الأمر: حين يقبل المجتمع بأن يكون العمل نادراً ومهيناً في آن واحد.
اقتصاد “الفرص” الذي تُروّج له النيوليبرالية يقوم على وعد كاذب: أن المرونة ستقود إلى الازدهار. لكن في واقع مثل السودان، المرونة تعني تحمّل الفرد لكل المخاطر دون أدوات حماية. لا سوق قادرة على امتصاص الصدمات، ولا دولة تضمن الحد الأدنى، ولا مؤسسات تفاوضية. النتيجة ليست اقتصاداً حيوياً، بل اقتصاد قلق، يستهلك طاقة الناس دون أن يمنحهم استقراراً.
هذا التحول له أثر سياسي أيضاً. العامل الهش أقل قدرة على التنظيم، وأكثر خوفاً من الاحتجاج، وأشد تعلقاً بأي فرصة حتى و لو كانت ظالمة. وهكذا تُفرغ السياسة من مضمونها الاجتماعي، ويُدار المجتمع بمنطق البقاء الفردي. حين يصبح الشغل نفسه معركة يومية، يتراجع السؤال الأكبر: لماذا هذا الوضع؟ ومن يستفيد منه؟
هذا البوست لا يدعو إلى تقديس الوظيفة الحكومية، ولا إلى رفض المبادرة الفردية، ولا إلى إنكار قيمة المهارة والعمل الحر. لكنه يرفض تحويل الهشاشة إلى فضيلة، ورفض تقديم القلق بوصفه حرية. العمل الكريم ليس نقيض الإبداع، بل شرطه. والأمان ليس عائقاً أمام الإنتاج، بل أساسه.
في السودان، لا يمكن الحديث عن مستقبل دون إعادة الاعتبار للعمل كحق اجتماعي: حق في الأجر العادل، وفي الحماية، وفي الأفق. وكل نموذج اقتصادي يُنتج عملاً بلا كرامة، مهما بدا “مرناً” و“حديثاً”، هو نموذج يُعيد إنتاج الأزمة بدل حلها.
