عاجلمقالاتملفات

سقوط الاستخبارات الكوبية ورسوب الدروع الصينية والروسية في امتحان التكنولوجيا الأمريكية

 كتب هانى الكنيسى: 

لم تكن غارة “العزم المطلق” التي شنها الجيش الأمريكي في ساعات الفجر الأولى يوم 3 يناير في قلب فنزويلا، وسحب رئيسها ‘نيكولاس مادورو’ مع زوجته ‘سيليا فلوريس’ من دفء الفراش إلى برودة الزنزانة في نيويورك في مشهد مهين، مجرد عملية “بلطجة” عسكرية من القوة العظمى (الوحيدة في العالم حتى يثبت غير ذلك)، أو فرد عضلات من “الكاوبوي” البرتقالي، لإرهاب جيرانه في الفناء اللاتيني الخلفي، ولإرعاب خصومه الأوروبيين والشرقيين في “ما وراء البحار والمحيطات. 

لا شك أن مثل هذه العملية الهوليوودية لم تكن لتنجح لولا عنصر “الخيانة” الداخلية، إلا أنه وبغضّ النظر عما تثيره من جدل قانوني وكرب أخلاقي، وبعيدًا عن التنظير السياسي والفذلكة الإعلامية، فقد قدّمت درسًا عسكريًا “عمليًا” يبرهن على مدى التفوق الأمريكي الكاسح على جميع المنافسين؛ الكبار منهم والصغار.  

الحقيقة أن الولايات المتحدة انتصرت في هذه المعركة الخاطفة على جميع الجبهات؛ تكنولوجيًا، وعسكريًا، وبشريا، واستخباراتيا. وفي الأسطر التالية بعض التبيان:

وزير الدفاع الأميركي ‘بيت هيغسيث’ كشف الليلة الماضية أن نحو 200 عنصر أميركي كانوا منتشرين في وسط كاراكاس أثناء تنفيذ العملية. ولم يحدد ما إذا كانوا جميعًا جنودًا نظاميين، مكتفيًا بالإشارة إلى مشاركة مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ووحدات نخبة من القوات المسلحة الأميركية. هذا الرقم يؤكد أن العملية لم تكن ضربة “قوات خاصة خفيفة” كما تردّد في البداية، بل تضمنت انتشارًا “ميدانيًا” معقدًا داخل عاصمة يفترض أنها محصنة أمنيًا وعسكريًا، وتخضع لإشراف استخباري كوبي مباشر منذ سنوات.

السلاح الأمريكي السري

ما يتسرّب تباعًا من تفاصيل عن “الغزوة” لا يقل درامية عن مشاهد اقتياد مادورو مكبّلا ومغمّى العينين في ملابس رياضية وسط حراسة من القوات الخاصة الأمريكية. فبينما تداولت مواقع غربية عسكرية (متخصصة) صورًا نادرة لمسيّرة شبحية من طراز RQ-170 Sentinel أثناء هبوطها عند شروق الشمس في قاعدة داخل بورتوريكو عقب تنفيذ العملية، ذكرت صحيفة ‘ديلي ميل’ البريطانية أن “طائرة واحدة على الأقل من هذا الطراز شاركت في الغارة الليلية”. هذه المسيّرة، التي لم يعترف سلاح الجو الأميركي بوجودها رسميًا إلا عام 2009 بعد استخدامها في أفغانستان، حلّقت فوق كاراكاس، دون الكشف عن مساراتها الدقيقة بسبب الطابع السري للعملية.

ووفقًا لـ’نيويورك تايمز’، فإن وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) نشرت “بهـدوء عماد أديب” طائرات شبحية مسيّرة فوق فنزويلا لعدة أشهر سابقة، استخدمتها لتتبع تحركات ‘مادورو’ وبناء صورة دقيقة عن روتينه اليومي قبل ساعة الصفر.

فشل الاستخبارات الكوبية: سقوط الحارس

خطف ‘مادورو’ من “عرينه” المحصن، يُعد هزيمة ساحقة للمخابرات الكوبية التي تولّت حمايته لسنوات، والتي قُتل من أفرادها 32 جنديًا كانوا ضمن فريق الحراسة أثناء الاقتحام الأمريكي، بحسب ما اعترفت به هافانا، معلنةً الحداد يومين على أرواح “الشهداء”. 

الخبراء وصفوا ما جرى بأنه بمثابة “إهانة” لجهاز استخباراتي طالما اعتُبر من الأكفأ عالميًا، وقد نجح تاريخيًا في إحباط محاولات اغتيال الزعيم الكوبي ‘فيدل كاسترو’، وفي حماية رؤساء دول من أنغولا في أفريقيا إلى بنما في أمريكا الوسطى. لكن الواضح أن المدرسة الاستخباراتية “الكلاسيكية” سقطت في الاختبار أمام النموذج الأمريكي الذي يعتمد على “الاستطلاع طويل الأمد، والتشويش الإلكتروني، وضرب مركز القرار لا محيطه”. 

إخفاق السلاح الروسي: الدرع العاجز

راكمت فنزويلا، منذ عهد رئيسها الاشتراكي الراحل ‘هوغو شافيز’، أحد أضخم مخازن السلاح الروسي في أميركا اللاتينية. شملت: أنظمة دفاعية صاروخية من طرازS-300VM ، وAntey-2500، وBuk-M2، وPechora-2M، إلى جانب 23 مقاتلة سوخوي-30، ودبابات T-72B1V ، ومروحيات متطورة من طراز Mi-35M، وMi-26 (الدبابة الطائرة كما تُلقّب)، والتي شكّلت في مجملها ما كان النظام الفنزويلي يتباهى بوصفه “الدرع الحصين”. 

لكن منظومة صواريخ S-300الروسية القادرة نظريًا على اعتراض أهداف حتى 200 كيلومتر، فشلت في رصد أو اعتراض الطائرات الشبحية الأميركية، وتواترت تقارير عن “تشويش إلكتروني مكثف” عطّل منظومات الإنذار المبكر التي كان الخبراء الروس يديرونها ميدانيًا (والتي التُقطت صور لمادورو شخصيا وهو يتابع تدريب رجال جيشه على استخدامها – *أرفقتها في منشور سابق قبل شهرين، كان يرصد أوجه الشبه بين صدام حسين ومادورو)

كان ذلك كفيلًا بأن يسخر الإعلام الغربي من الأسلحة الروسية “التي تحولت إلى كومة خردة متفحمة في كاراكاس”، ومن الفشل الذريع لمنظومتي الدفاع الجوي الروسيتين إس-300، وبوك-إم2 إي، اللتين “عجزتا عن إطلاق صاروخ واحد حين جدّ الجد”. 

أسطورة التكنولوجيا الصينية: الإحراج الأصفر

إذا كان فشل السلاح الروسي في مواجهة التكنولوجيا الأمريكية صادمًا للبعض، فقد بدا عجز أحدث منظومات الدفاع الصينية مدويًا في إحراجه لكبرياء بكين العسكري. إذ زودت الصين فنزويلا قبل بضعة أشهر برادارJY-27A، الذي رُوّج له باعتباره “مضادًا للتخفي وللأشباح” وقادرًا على كشف طائرات الجيل الخامس مثلF-35 باستخدام موجات عالية التردد VHF (واتضح أنها ما حصّلتش حتى شرائط VHS لتسجيل الأفلام الهابطة في جيلي). 

قبل عملية 3 يناير بأسابيع، تفاخر وزير الدفاع الفنزويلي أمام العدسات بأن “الرادار الصيني رصد طائرات أميركية من مسافة 75 كيلومترًا”. لكن في ليلة خطف مادورو وعقيلته، استخدمت الولايات المتحدة طائرات الحرب الإلكترونية من طراز EA-18G ‘غراولر’، التي شلّت الرادارات الصينية قبل توجيه الضربة الأولى. وفي غضون دقائق من بدء العملية، تم تحييد النظام الصيني “الأسطوري” بالكامل، وفشل في تزويد بطاريات الصواريخ بأي بيانات أهداف، بينما حلّقت الطائرات الأمريكية “تحت مجال الرادار”.

زر الذهاب إلى الأعلى