فنزويلا من النيوليبرالية إلى الإمبريالية الصريحة

كتب محمد إسماعيل:
قررت العودة مرة اخرى للحديث عن فنزويلا لتوضيح ومناقشة بعض الحقائق. التحوّل الذي نراه اليوم فى فنزويلا ليس انتقالاً بريئاً من “سياسات اقتصادية” إلى “سياسات أمنية”، بل انكشافاً تدريجياً لشيء كنا نلمحه دائماً في قلب النيوليبرالية ثم تعوّدنا أن نراه بملابس أكثر أناقة: النيوليبرالية لم تكن مجرد وصفة صندوق نقد وخصخصة وتحرير تجارة، بل كانت أسلوب حكم عالمي يقوم على إعادة تعريف الدولة، لا بإلغاء دورها بالكامل، بل بإعادة تشكيلها كوكيل يضمن شروط تراكم رأس المال ويؤمّن “الاستقرار” المطلوب للأسواق، ولو على حساب المجتمعات. الجديد الآن ليس أن القوى الكبرى أصبحت إمبريالية فجأة، بل أنها بدأت تتصرف بلا حرج وكأنها لم تعد بحاجة حتى إلى اللغة التي كانت تبرّر بها تدخلاتها: لغة “الإصلاح”، “بناء المؤسسات”، “الانتقال الديمقراطي”، “الحوكمة الرشيدة”. ما يحدث في فنزويلا هو لحظة سقوط قناع لغوي أكثر من كونه انقلاباً في الجوهر.
في النيوليبرالية الناعمة كان التدخل يُسوَّق كأنه عملية “تحديث” داخلية: أنت بلد “متأخر”، ونحن نساعدك على أن تصبح “طبيعياً” مثلنا. هذا التطبيع كانت أدواته أشبه بشبكة: عقوبات اقتصادية تُجرّف القدرة على الحياة، ضغط مالي ومصرفي يُحوّل الدولة إلى كيان عاجز، خطاب حقوقي يُعيد ترتيب الشرعيات، ثم منصة “مساعدة” (قروض، منح، برامج) تُقدَّم كخشبة نجاة بشرط القبول بالقواعد الجديدة. داخل هذه الشبكة يصبح القرار السيادي وكأنه اختيار طوعي: “وقّع هنا لتعود للأسواق”، “طبّق هناك لتُرفع العقوبات”، “أصلح كي تتدفق الاستثمارات”. لكن لحظة فنزويلا الأخيرة تقول شيئاً أكثر فجاجة: لم يعد المطلوب أن تختار، بل أن تُدار.
حين يخرج خطاب من أعلى السلطة في واشنطن يقول عملياً إن الولايات المتحدة “ستدير” فنزويلا لفترة انتقالية، يصبح الأمر إعلاناً بأن عصر الإيحاء قد لا يكفي. وحين تُنفَّذ عملية عسكرية تنتهي بوجود رئيس دولة في محكمة أمريكية، وتصبح مسألة “شرعية الفعل” موضوعاً مطروحاً في مجلس الأمن، فهذا ليس مجرد ضغط دبلوماسي أو حصار اقتصادي؛ إنها رسالة بأن القواعد نفسها قابلة للكسر حين تتقاطع السياسة مع النفط ومع الاستعراض الإمبراطوري. هنا تظهر الإمبريالية الصريحة كطريقة لفرض واقع جديد بسرعة، لأن النيوليبرالية الناعمة أحياناً بطيئة: تحتاج وقتاً كي تُنتج طبقة محلية متواطئة كفاية، وتحتاج سنوات كي تُنهك المجتمع حتى يقبل أي حل، وتحتاج مساحات رمادية كثيرة كي تبدو “قانونية”. أما الإمبريالية الصريحة فتختصر الزمن: قرار واحد، صدمة واحدة، فتنتقل البلاد من سؤال الإصلاح إلى سؤال الإدارة.
لكن لا تخدعنا الفجاجة. ما تغيّر فعلاً هو “شكل السيطرة” أكثر من “منطقها”. النيوليبرالية كانت إمبريالية مموّهة: تسيطر عبر القواعد التي تجعل السوق هو القاضي، والعملة هي الشرطي، والديون هي السجن، و”الاستثمار” هو معيار الوطنية. الإمبريالية الصريحة هي النيوليبرالية حين تفقد صبرها أو حين تظن أن ميزان القوى يسمح لها بالاستغناء عن الإقناع. هذا يفسر لماذا تظل الموارد في المركز من كل الحكاية حتى عندما تبدأ الحكاية باتهامات “مخدرات” أو “أمن”. في التغطيات التي واكبت العملية، ظهر الربط المتكرر بين التدخل وبين نفط فنزويلا، بل وبين تهديد ضربات إضافية إذا لم يحدث “تعاون”، وكأن السيادة تصبح بنداً تفاوضياً قابلاً للتعديل بالقوة.
اللافت أيضاً أن “الانتقال” الذي يُروَّج له ليس انتقالاً سياسياً محضاً، بل انتقال إدارة الدولة نفسها. صعود دِلسي رودريغيز كرئيسة بالوكالة بدعم المحكمة العليا والجيش يوضح أن الدولة لم تنهَر؛ أعادت ترتيب نفسها بسرعة لتمنع الفراغ. لكن هذه النقطة بالذات تكشف لبّ المسألة: القوى الكبرى لا تريد دولة قوية سيادياً بقدر ما تريد دولة قابلة للمواءمة. إن كانت النخبة الحاكمة قادرة على “التعاون” وإعادة ضبط الإيقاع الاقتصادي والسياسي بما يخدم الاستقرار المطلوب خارجياً، قد يُكتفى بها مؤقتاً. وإن لم تكن، تُستبدل أو تُحاصر أو تُدار فوق رأسها. لذلك يصبح سؤال “من يحكم؟” أقل أهمية من سؤال “كيف يُحكَم البلد؟” ومن يملك مفاتيح المال والنفط والموانئ وشبكات التحويلات والعقوبات.
هنا نصل إلى نقطة الربط مع ما كتبناه سابقا عن النيوليبرالية دون إعادة تدوير نفس الكلام: النيوليبرالية كانت تُحوّل الدولة إلى شركة خدمات عامة: تخفّض الإنفاق الاجتماعي، تفتح قطاعاتها للاستثمار، وتُعيد تعريف المواطن كمستهلك. الإمبريالية الصريحة تُحوّل الدولة إلى “إدارة إقليمية” ضمن خرائط نفوذ: تُدار أولوياتها من الخارج، وتُعاد برمجة علاقتها بجسدها الاجتماعي وفق منطق الأمن والموارد. في الحالتين، المجتمع يُستبعد من القرار. الفرق أن النيوليبرالية كانت تحتاج دائماً قناع “التحديث” كي تبرر استبعاد المجتمع، بينما الإمبريالية الصريحة تقول ببساطة: لا وقت للتفاصيل.
وهذا التحول يحمل دلالة أخطر على الجنوب كله: عندما تصبح “الإدارة” خطاباً طبيعياً، فالمقصود ليس فنزويلا وحدها بل أي بلد يمكن أن يُقدَّم كـ “حالة استثنائية”. الاستثناء هو المفتاح: النيوليبرالية تحب الاستثناء لأنها تُمرّر به قواعد جديدة، والإمبريالية الصريحة تحب الاستثناء لأنها تُمرّر به القوة مباشرة. تُصنع الاستثناءات من عناوين جاهزة: المخدرات، الإرهاب، الهجرة، الفشل، الفساد. ثم يُقال لك إن القواعد لا تنطبق لأن الحالة خطيرة. وبمجرد أن تقبل الاستثناء مرة، يصبح قابلاً للتكرار في مكان آخر، وربما ضدك غداً، خصوصاً في دول منهكة بالصراعات وضعف الدولة وتفكك الاقتصاد.
إذا نقلنا هذه العدسة إلى السودان، نرى بوضوح لماذا لا يكفي أن نلعن النيوليبرالية بوصفها سياسة اقتصادية فقط. لأن اقتصاد الحرب نفسه يمكن أن يصبح نسخة محلية من نفس المنطق: موارد البلد تُدار خارج المجتمع، وتُستخدم لإطالة الصراع بدل إيقافه، وتُخلق طبقات تستفيد من استمرار الانهيار. في السودان لا تحتاج السيطرة دائماً إلى خطاب “سنُدير البلد”، لأنها تُمارَس عملياً عبر تشظّي السيادة: ذهب خارج الموازنة، تجارة حدود خارج الرقابة، شبكات تمويل خارج المصارف، مساعدات إنسانية تتحول إلى مورد تفاوضي، وكل ذلك يُنتج فاعلين أقوى من الدولة أو بجوارها. هنا تلتقي النيوليبرالية والإمبريالية الصريحة في نقطة واحدة: تحويل الموارد إلى أداة حكم ضد المجتمع.
إذن ما الذي تغيّر فعلاً؟ تغيّرت درجة الوقاحة، وتغيّر الإيقاع، وتغيّرت اللغة. النيوليبرالية كانت تقول: سنساعدكم على الإصلاح. الإمبريالية الصريحة تقول: سنأخذ زمام القيادة لأنكم غير مؤهلين. الأولى تحتاج واجهة أخلاقية كثيفة؛ الثانية تكتفي باستعراض القوة وابتزاز “التعاون”. الأولى تُنتج تبعية طويلة الأمد عبر القواعد والأسواق؛ الثانية تُسارع لتثبيت تبعية عبر السيطرة المباشرة أو التهديد بها. لكن المشروع في العمق واحد: إعادة ترتيب المجال السياسي بحيث تصبح الديمقراطية شكلاً، والسيادة ورقة، والموارد مفاتيح تُستخدم لإخضاع المجتمعات.
ولذلك، أخطر ما في لحظة فنزويلا ليس الحدث ذاته بقدر ما هو الدرس الذي يُراد له أن ينتشر: أن العالم يتجه إلى مرحلة تُدار فيها الأزمات بقرارات فوقية خشنة، وأن “الشرعية” ستُعاد كتابتها بالقوة عندما لا تفيد اللغة الناعمة. في هذا المناخ، مقاومة النيوليبرالية وحدها لا تكفي ما لم تُربط بمقاومة إعادة الاستعمار بوصفه منطقاً سياسياً جديداً/قديماً. لأن النيوليبرالية حين تتعرّى، لا تنتهي؛ بل تتحول إلى إمبريالية صريحة، وتطالبنا لا بأن نقتنع، بل بأن نطيع.
