أخبارإبداعات عربيةشخصيات عربيةعاجل

ورحل أخر الفلاسفة العرب…

   غادر عالمنا أمس الأربعاء الفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة عن عمر يناهز ٩٩ عام ، وخفت أحد ألمع أضواء الفكر العربي، ضوء كان مشتعلاً بقوة وجرأة لقرابة قرن من الزمن.

 الفيلسوف المصري مراد وهبة لم يكن مجرد أكاديمي يلقي محاضراته فى قاعات الجامعة، بل كان مقاتلاً بأفكاره الفريدة، وحمل على عاتقه مهمة تحرير العقل العربي من سجن التراث واليقينيات المطلقة والأيديولوجيات المتجمدة.

 ولد مراد وهبة في محافظة أسيوط جنوب مصر فى 13 أكتوبر عام 1926.

ـــ المسيرة التعليمية

تلقى مراد وهبة تعليمه الجامعي والعالي في عدة جامعات مصرية مرموقة، وتخصص في دراسة الفلسفة حيث حصل على درجة الليسانس في الآداب (قسم الفلسفة) من جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) عام 1947 و نال درجة الماجستير في الآداب (تخصص الفلسفة الحديثة) من نفس الجامعة عام 1952 ثم حصل على درجة الدكتوراه في الآداب (تخصص الفلسفة المعاصرة) من جامعة الإسكندرية عام 1959.

يُعد وهبة من أبرز أساتذة الفلسفة في جامعة عين شمس، حيث تدرج في المناصب الأكاديمية بها حتى أصبح رئيساً لقسم الفلسفة، وهو مؤسس ورئيس “الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير”.

 رحل وهبة و ترك ظلًا لمعاركه التنويرية المطالبة بحرية التفكير، باعتبارها أغلى ما يملكه الإنسان ودليل وجوده.

عاش وهبة قرنًا من الزمن، سلك خلاله طريقاً وعراً، ولم يختر مسارًا هادئًا، بل اقتحم بجسارة تفكيك الألغام فى طريق المعرفة، ونقد ماتم تقديسه من موروثات وتفكيك الأيديولوجيا. 

كان مشروعه الذى تبناه هو بناء عقل نقدي لا يقبل التسليم بالموروثات.. عقل يسأل بلا خوف، ويفتش عن المنطق حيثما كان. ولذلك وجّه سهام نقده نحو الأفكار الخرافية، والتفسيرات الحرْفية الجامدة للنصوص، والأنظمة الفكرية المغلقة التي ترفض الحوار مع العصر والتفاعل معه ولم يكن عدوًا للدين ـ أي دين ـ، كما حاول خصومه تصويره، بل كان محاربًا ضد استخدام الأديان كأداوات للجمود والسيطرة والتحريض والاستخواذ. 

كان يرى أن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل الإيمان من علاقة روحية شخصية مع الله، إلى أداة سياسية تقمع الاختلاف وتقضي على إمكانية السؤال.

 ترك وهبة إرثاً مكتوباً غنياً، مثل “المعجم الفلسفي” الذي أصبح مرجعاً أساسياً، إلى كتبه الحادة مثل “محاورات في الدين والعقل” و”العلمانية والحداثة”، والتي كانت بمثابة قنابل فكرية زلزلت الساحة الثقافية لعقود. لكن أعظم أعماله لم تكن كتبه فقط، بل كانت “المعارك” التي خاضها. معارك استفزت السكون، وأقلقت راحة المؤسسات الفكرية التقليدية، وأشعلت نقاشات كانت غائبة أو مقموعة. كان يحضر المؤتمرات ويصعد المنابر ليقول كلاماً نعرف مسبقاً أنه سيعرضه لسيل من الهجوم والاتهامات، لكنه كان يقولها بهدوء الواثق المتمكن: إن الإيمان بالحرية أقوى من الرغبة في الراحة أو القبول الاجتماعي.

   دفع وهبه ثمن مواقفه غالياً: تعرض للتكفير والهجوم والتشويه، وواجه عزلة اختارها طوعاً لأنها كانت الثمن الطبيعي لرفضه الانصياع للقطيع. ومع ذلك، لم ينكفئ أو يلين. ظل للنهاية صوتاً صارخاً في وجه التعصب، مؤمناً بأن مهمة الفيلسوف الحقيقية هي إزعاج الساكنين وفتح النوافذ المغلقة لكي يدخل هواء الحرية والفكر النقدي.

ـــ الجوائز 

حصل وهبة على جائزة النيل عام 2020 وهي أرفع جائزة تمنحها الدولة المصرية للمبدعين في مجالات الآداب والعلوم والفنون.

كما حصل على جائزة الدولة التقديرية عام 2012 وقد حصل عليها في مجال العلوم الاجتماعية، وهي من الجوائز الكبرى التي تمنحها وزارة الثقافة.

وحصل أيضا على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى وهو من أرفع الأوسمة الأكاديمية في مصر، ويُمنح لمن قدموا خدمات جليلة في مجال العلم والثقافة.

دولياً وإقليميا تم اختياره ضمن الـ 500 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم وذلك من قبل المؤسسة الأمريكية للسير الذاتية (ABI) نظراً لإسهاماته في الفلسفة المعاصرة.

كان عضوية الأكاديمية العالمية للعلوم الإنسانية وهو المصري الوحيد الذي نال هذه العضوية لفترة طويلة، وهي مؤسسة تضم كبار المفكرين على مستوى العالم.

كما كرمته الجمعية الدولية لابن رشد تقديراً لدوره كمؤسس ورئيس للجمعية، وجهوده في ربط فكر ابن رشد بالحداثة والتنوير.

رحل الفيلسوف الكبير، تبقى أسئلته الكبرى فى عالم الفكر والتدبر: كيف نبني عقلانية عربية لا تنقطع عن التراث ولكنها لا تستسلم له؟ كيف نفرق بين التدين الروحي والأصولية السياسية؟ كيف نصنع مساحة للعقل في زمن يحاصر بالمشاعر الجياشة والخطابات الحماسية الفارغة؟

زر الذهاب إلى الأعلى