سيناريوهات الانهيار الإيراني .. بين الضربة الأمريكية والأحلام الصهيونية

كتب هانى الكنيسى:
ما بين احتجاجات شعبية متصاعدة منذ أسبوعين يقابلها عجز القبضة الأمنية عن السيطرة الميدانية هذا ما تترجمه تصريحات رئيس الشرطة الإيرانية عن الانفلات، ويعكسه تزايد أعداد القتلى والمصابين كل ساعة، واعتقال الآلاف وفق منظمات حقوقية، واستمرار انقطاع الإنترنت وتسريب فيديوهات الحرائق والهتافات المعادية للنظام في مختلف المدن، وعلى وقع تهديدات علنية متبادلة مع القوة العظمى الأمريكية بقيادة الرئيس البرتقالي المنتشي بنتائج استخدام عضلاته في فنزويلا ، وتأهّب إسرائيلي عسكري واستراتيجي لساعة الصفر تواكبه حملة تحريض في الإعلام وتحركات على الأرض من الموساد، وفي الخلفية سيناريوهات غربية وصهيونية عن “اليوم التالي” لسقوط نظام “الملالي”، وصولاً إلى “تصورات” تفوق الخيال، مثل انضمام “إيران جديدة” إلى ‘الاتفاقيات الإبراهيمية’ التطبيعية، بدلا من السعودية والتي تعيد رسم خريطة تحالفاتها الإقليمية.
بين هذا وذاك وذياك، تبدو طهران أمام مفترق طرق لم تكشه منذ “الثورة الإسلامية” التي جاءت بآية الله الخميني من باريس عام 1979، محمولا على أكتاف المتظاهرين إلى قصر الرئاسة الذي فر منه الشاه محمد رضا بهلوي مذعورا منبوذا من في أنصاره المقموعين في الداخل وحلفائه الوهميين في الخارج. فهل سيتكرر المشهد بصورة معكوسة هذه المرة؟ ومن الذي سيحمله الغرب على الأكتاف لانتزاع السلطة من المرشد الروحي “المتخندق” علي خامنئي؟ كيف ستستفيد إسرائيل “المشتاقة” للحظة الانقضاض؟ وما هي سيناريوهات “اليوم التالي” في تصورات واشنطن وتل أبيب، وفي منظور القوى الإقليمية المتوجّسة؟
الرئيس الأمريكي ترمب لوّح صراحة باستخدام القوة لمنح الإيرانيين فرصة الحرية “التي يتوقون إليها”، ورد عليه رئيس البرلمان الإيراني ‘محمد باقر قاليباف’ محذّرا: أي ضربة أمريكية ستقابل برد إيراني لن يكون محصوراً بالقواعد الأمريكية، بل سيشمل إسرائيل التي وصفها بـ”الهدف المشروع”. رسالة تحدٍّ ردّدها -بتنويعات- أكثر من مسؤول كبير، وكأن طهران تهرب من أزمتها للأمام، بنقل المعركة من إطارها الداخلي إلى آفاقها الإقليمية والدولية “الأرحب”.
واشنطن تلوّح .. وتناور.. وتتحرك
التهديدات الأمريكية الأخيرة لإيران تتجاوز حدود “الحرب النفسية”. فالتحركات المكثفة للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط منذ بداية العام، توحي بالاستعداد لخيارات هجومية: تُشير أحدث التقارير إلى اقتراب حاملة الطائرات “نيميتز” ومجموعتها القتالية من المنطقة، كما رصدت مصادر تتبع الرحلات (OSINT) مغادرة عشرات من طائرات التزويد بالوقود KC-135 وKC-46A وطائرات الشحن الثقيل C-17 و C-5 من قواعد في الولايات المتحدة وبريطانيا متجهة إلى الشرق الأوسط، وتتمركز حالياً نحو 6 قاذفات استراتيجية من طراز B-2 في قاعدة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي قادرة على حمل أضخم القنابل الخارقة التحصينات والتي استخدمتها الولايات المتحدة في ضرب منشآت إيران النووية أثناء حرب الـ12 يوما في يونيو الماضي مع إسرائيل)، فضلا عن انتشار 3 مدمرات صواريخ موجهة (USS Mitscher، USS Roosevelt، USS McFaul) حالياً في الخليج العربي.
وبالتزامن، كشفت ‘نيويورك تايمز’ أن ترمب اطّلع على حزمة خيارات عسكرية، تتراوح بين استهداف بنى تحتية مدنية وصولاً إلى ضرب أجهزة الأمن الإيرانية. بينما نقلت ‘وول ستريت جورنال’ عن مسؤول أمريكي أن أحد السيناريوهات المطروحة هو “غارة جوية مركزة واسعة النطاق على أهداف عسكرية إيرانية”،
وإن كانت الصحيفة الأمريكية نفسها قد أشارت إلى أنه “لا يوجد إجماع داخل الإدارة الأمريكية حول كيفية التعامل مع الملف الإيراني: تدخل محدود للردع، أم ضربة قاصمة قد تُسقط النظام أو تضعفه إلى حد الانهيار؟”.
الأمير الهارب رضا بهلوي… الرمز البديل؟!
في خضم هذا التصعيد، يحرص الإعلام الغربي على “تلميع” اسم رضا بهلوي (66 عاما)، نجل شاه إيران الراحل، وتقديمه كرمز لقيادة المعارضة من الخارج أو “كبديل “جاهز”. والحقيقة أن بهلوي، المقيم في الولايات المتحدة منذ عام 1978، بخلفيته العلمانية وخطابه المتماهي مع الغرب، يبدو مرشحاً مثالياً في عيون عديدين، حتى لو بقت “شرعيته” داخل إيران موضع جدل وشك .. في ظل غياب “رمز قيادي” للمعارضة من الداخل. وفي مقابلة مع مجلة ‘نيوزويك’، قال ولي عهد الشاه الراحل -الذي يطرح رؤية لملكية دستورية علمانية- إن “تهديدات ترمب منحت المتظاهرين قوة وأملاً أكبر”. كما أعلن في رسالة مصورة -أمس السبت- أنه “يستعد للعودة إلى الوطن” مع اقتراب ما سماه “نصر الثورة الوطنية”، داعياً المتظاهرين إلى السيطرة على مراكز المدن.
إسرائيل تتأهّب عسكريا .. وتحلم سياسيا وإقليميا
نقلت وكالة ‘رويترز’ عن مصادر إسرائيلية رفيعة أن تل أبيب “رفعت مستوى التأهّب تحسباً لتدخل أمريكي محتمل في إيران”. وجرت محادثات بين النتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي ‘ماركو روبيو’ حول سيناريوهات الضربات المحتملة علما بأن رئيس وزرائها سيرأس مساء اليوم الأحد اجتماعا أمنيا طارئا.
لكن الأكثر إثارة، كان ما نشرته صحيفة ‘معاريف’ اليوم عن نقاشات جرت خلف أبواب مغلقة في إسرائيل حول سيناريو “اليوم التالي” في إيران، تناولت حلم ضم إيران الجديدة إلى “أخواتها الخليجيات” في الاتفاقات الإبراهيمية.
فمع تعثر مسار التطبيع مع السعودية أولا بسبب الخلاف على مبدأ حل الدولتين الذي تصر عليه الرياض، ولاحقا نتيجة الشقاق المتصاعد مع الإمارات التي تتخذ من إسرائيل خليلًا وتنسّق معها في فناءات السعودية الخلفية في اليمن والصومال والسودان .. وصولا إلى سوريا)، تنقل الصحيفة العبرية عن مسؤولين كبار “تحوّل التفكير إلى هدف بديل أكثر جرأة: إيران نفسها”.
والمنطق الإسرائيلي هنا بسيط: قبل ثورة 1979، كانت طهران حليفاً استراتيجياً لتل أبيب، وإذا سقط نظام آيات الله، فقد تعود إيران إلى موقعها القديم، بل وتصبح جزءاً من مظلة التطبيع الإبراهيمي. وقد تحدثت مصادر لـ’معاريف’ عن “قنوات داخل المعارضة الإيرانية تعمل بالفعل كوسطاء محتملين لسلام مستقبلي”.
السعودية خارج المعادلة؟
هذا الطرح لا ينفصل عن التحولات في الخليج. ‘جاكي هوجي’ محلل الشؤون العربية في ‘معاريف’، أشار إلى أن التنافس السعودي–الإماراتي بات عاملاً بنيوياً، ظهر بوضوح في جنوب اليمن، حيث تصادمت مصالح الطرفين عسكرياً.
وفي السياق ذاته، نقلت قناة ‘i24NEWS’ عن مصادر خليجية أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يعيد رسم تحالفاته الإقليمية، مع ميل نحو محور يضم تركيا وإيران وقطر ومصر وباكستان، وتصعيد في اللهجة تجاه أبوظبي، وفتور ملحوظ في الخطاب تجاه إسرائيل. ورغم بقاء التحالف السعودي–الأمريكي قائماً، فإن هذا التباعد يفتح الباب أمام تصورات “بديلة”.
بين الواقع والرهان
كل هذه السيناريوهات تبقى رهناً بعامل حاسم: هل تنجح الاحتجاجات في إسقاط النظام الإيراني؟ التاريخ القريب يقول إن النظام أظهر قدرة عالية على القمع والبقاء، لكن اللحظة الراهنة مختلفة من حيث تزامن الضغط الداخلي مع تهديد خارجي صريح.
إذا انهار النظام، فإن خريطة الشرق الأوسط قد تعاد صياغتها جذرياً: إيران بلا آيات الله، رضا بهلوي أو غيره في الواجهة، علاقات جديدة مع الغرب، وربما – في أكثر الأحلام الإسرائيلية جرأة – سلام علني مع تل أبيب. أما إذا صمد النظام، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب مواجهة عسكرية واسعة، تبدأ بضربة أمريكية ولا يُعرف أين تنتهي.
