
كتب هانى الكنيسى
“الأقوياء يفعلون ما يحلو لهم، والضعفاء يقبلون ما يُفرض عليهم”. هذه هي الحكمة التي خلص إليها المؤرخ اليوناني المعروف ‘ثوسيديدس’ من روايته لحادثة وقعت في عام 416 قبل الميلاد، خلال الحرب بين أثينا وإسبرطة.
حاولت أثينا (القوة العظمى آنذاك) إرغام جزيرة ‘ميلوس’ الصغيرة في البحر المتوسط على الانضمام إلى حلفها ودفع الجزية صاغرةً عن يد. رفض أهل الجزيرة الاستسلام، متأملين أن تساعدهم إسبرطة. وكانت النتيجة مأساوية؛ إذ حاصر الأثينيون ‘ميلوس’، وقتلوا جميع رجالها، وباعوا النساء والأطفال كعبيد، ثم استوطنوا الجزيرة.
هل ثمة تشابه بين هذه الرواية التاريخية، وما يحدث اليوم علي مرأي ومسمع من العالم بين الولايات المتحدة (القوة العظمي الوحيدة في الحاضر) وجزيرة ‘غرينلاند’ التي تزيد مساحتها علي مليوني كم مربع، ولا يتجاوز عدد سكانها 55 ألف نسمة؟
زعماء أوروبا “انتفضوا” في مواجهة الإمبراطور الأمريكي الجشع، بعدما تمادى في غيّه وقرر فرض رسوم جمركية عقابية على 8 دول أوروبية “تعرقل” مشروع ضم غرينلاند التابعة رسميا لحكم الدانمرك (عضو الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو).
الاتحاد الأوربي عقد جلسة طارئة .. ‘ستارمر’ البريطاني انتقد الخطوة .. ‘ماكرون’ الفرنسي طلب تفعيل آلية “بازوكا التجارة” Bazooka، أي أداة “مكافحة الإكراه” التي تتيح فرض قيود على الاستثمارات الأجنبية، وتقييد دخول السلع الأمريكية الأسواق الأوروبية .. ‘ميرتس’ الألماني طالب بأن يكون الرد الأوروبي “موحدًا ومسموعًا” .. و’سانشيز’ الإسباني حذر من أن ضم غرينلاند بالقوة “سيقضي عمليًا على فكرة حلف شمال الأطلسي (الناتو)”.
وهو نفس ما حذرت منه رئيسة وزراء الدانمرك (المغلوبة على أمرها) قبل أيام، بعد فشل “المهمة الدبلوماسية” في إقناع سيد البيت الأبيض بالعدول عن مشروع ضم الجزيرة القطبية التي كانت “مستعمرة” دانمركية منذ عام 1721، ثم انتقلت للتاج الدانمركي عام 1814، قبل أن يتم ضمها “دستوريا” عام 1953 لتصبح مقاطعة (Amt) تابعةً للمملكة، ولها تمثيل في البرلمان الدانمركي (برغم تمتعها بصيغة للحكم الذاتي). علمًا بأن واشنطن وكوبنهاغن مرتبطتان باتفاق دفاعي منذ عام 1951، ينص على التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن الجزيرة في إطار عضويتهما في حلف الناتو.
والحقيقة أن أولئك الزعماء الأوروبيين جميعًا ليسوا إلا إسبرطة المعاصرة في نظر أثينا الأمريكية.
والحقيقة الأوسع، أن الحديث عن تصدّع التحالف الأمريكي الأوروبي لم يعد ضرباً من المبالغة أو التهويل السياسي، بل توصيف واقعي لمسار متسارع من التشقق البنيوي في أعمدة ما أُطلق عليه ‘النظام الدولي’ عقب الحرب العالمية الثانية.
فما بين الرسوم الجمركية العقابية، وشروط الابتزاز التجاري، والتلويح بضم غرينلاند بالقوة العسكرية أو “بالإكراه” السياسي الاقتصادي من الضفة الأمريكية .. والتوجهات المتسارعة لتجميد الاتفاقيات والامتيازات التجارية، والبحث عن استقلالية أمنية من الجانب الأوروبي، تتآكل الأسس التي قام عليها “الغرب الموحّد”.
البرلمان الأوروبي قرر تجميد اتفاقية التجارة عبر الأطلسي مع الولايات المتحدة، والتي كانت تنص على تحديد الرسوم الأمريكية بنسبة 15% مقابل إعفاء الصادرات الأمريكية من الرسوم الأوروبية. وبذلك، تنهار عملياً “هدنة” الحرب التجارية التي أبرمتها بروكسل وواشنطن في صيف العام الماضي، بعد “هوجة” رسوم ترمب.
بينما أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية ‘أورسولا فون دير لاين’ أن أوروبا تعمل على صياغة “استراتيجية أمنية مستقلة” عن المظلة الأمريكية “التي لم تعد خياراً مضمونا”.
وعلى مستوى الرأي العام الشعبي، كشف استطلاع أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ECFR نهاية عام 2025، أن واحداً فقط من كل ستة أوروبيين يعتبر الولايات المتحدة حليفاً، بينما يرى واحد من كل خمسة أنها منافس أو خصم. وفي دول كألمانيا وفرنسا وإسبانيا، تقترب هذه النسبة من 30%.
لاشك أن إصرار ترمب على ضم غرينلاند، والذي اعتبرته بعض العواصم الأوروبية في البداية نكتة سخيفة أو جس نبض، شكّل صدمة استراتيجية ونفسية للقارة الأوروبية التي كان زعماؤها “المتهافتون” يظنون أنهم لن يهونوا في نهاية الأمر على العم سام، ثم اكتشفوا أن ترمب “ما يعرفش أبوه ولا عمه” عندما تتعارض المصالح أو تلمع في رأسه البرتقالية فكرة مجنونة لتحصيل المال والمعادن الثمينة.
يعتبر ‘لاري جونسون’ المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA، أن سياسات ترمب “ستهيل التراب على حلف الناتو، وسترسّخ صورة ‘الإمبريالية الطاغية’ التي تتجاهل القانون الدولي وتستولي بالقوة على أراضي الغير”.
وتحت عنوان “الغرب الموحّد مات” The united West is dead، كتب ‘مارك ليونارد’ مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في مجلة ‘بوليتيكو’ Politico أن النظام الليبرالي الدولي لم يعد ينهار بفعل خصومه فقط، بل بسبب تخلي الولايات المتحدة عن دورها كـ“مدير للنظام”.
فيما يرى خبراء الجغرافيا السياسية أن العالم يشهد نهاية فعلية لحقبة “باكس أمريكانا” Pax Americana– أي السلام النسبي الذي تَشكّل تحت الهيمنة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. (*المصطلح مشتق من مصطلح “باكس رومانا” الذي كان يُشير إلى فترة تاريخية قامت فيها الإمبراطورية الرومانية “الإمبريالية” بالشيء نفسه مع الممالك الأوروبية الأضعف آنذاك).
ويتوقع الأكاديمي ‘نيكولاس كريل’ أن العالم الذي سيلي هذه الحقبة سيكون “أفقر وأكثر خطورة وأقل حرية”، مع تزايد احتمالات نشوب الحروب، واحتدام سباقات التسلح (خصوصاً النووي)، وتحوّل الدول الصغيرة إلى بيادق في صراعات القوى الكبرى.
بالنسبة لأوروبا، التي تواجه “أخطر تحدياتها الوجودية منذ عقود”، كما يقول ‘كريل’، لم يعد التحدي كيف تحافظ على “شراكتها” أو تحالفها مع واشنطن، بل كيف تحمي نفسها في عالم يموج بالصراعات بدون “البودي غارد” الأمريكي.
وبالنسبة للعالم، لم يعد السؤال: هل انتهى التحالف الأمريكي–الأوروبي؟ أو هل مات “الغرب الموحّد”؟ بل: كيف سيكون شكل العالم بعده؟ وكيف ستستفيد القوى المنافسة (الصين وروسيا) من الوضع “الجديد”؟
أما الشرق الأوسط وغيره من قطاعات العالم “العويل”، فسيكون السؤال: إلى متى ستستر عوراتنا العباءة الأمريكية المهترئة؟ وإلي أي المعسكرات سنلجأ؟.
