إبداعات عربيةعاجلمقالات

النيوليبرالية واللغة

ظهركتب محمد إسماعيل:

نتحدث فى هذا المقال عن واحد من أخطر محتوى النيوليبرالية وأقلها وضوحاً: اللغة. لأن النيوليبرالية لا تسيطر فقط عبر السياسات والقرارات، بل عبر الكلمات التي نستخدمها لفهم تلك السياسات. اللغة هنا ليست وسيلة شرح، بل أداة حكم، وربما آخر خط دفاع للنظام حين تتآكل شرعيته الاجتماعية.

النيوليبرالية تدرك أن السيطرة المباشرة مكلفة، وأن فرض السياسات بالقوة وحدها لا يكفي. لذلك تعمل على إعادة تسمية الواقع. لا تغيّر الأشياء فقط، بل تغيّر اسماءها. وحين تتغير الأسماء، يتغير الوعي، ويتغير موقع الغضب، ويختفي الفاعل الحقيقي خلف ستار لغوي يبدو “محايداً” و“تقنياً”. في هذه اللحظة، لا يعود الصراع بين سياسات بديلة، بل بين مفردات، ومن يملك حق تسميتها.

في السودان مثلا، نعيش هذا التحول اللغوي يومياً. كلمة “الدعم” مثلاً، التي كانت تعني التزاماً اجتماعياً بحماية الحد الأدنى من المعيشة، أُعيد تعريفها فى زمن حكومة حمدوك ووزير ماليته البدوى وقبلها ساسات البشير لتصبح “تشوهاً اقتصادياً”. بمجرد هذا التحول، لا يعود السؤال: من نحمي؟ بل: كيف نُصلح التشوه؟ تختفي الفئات المتضررة، ويظهر “الاقتصاد” ككائن مجرد يحتاج إلى علاج، حتى لو كان العلاج على حساب البشر. يصبح الفقير عبئاً على الميزانية، لا مواطناً له حق.

الخصخصة أيضاً لم تُقدَّم بوصفها نقل ملكية عامة إلى مصالح خاصة، بل بوصفها “إصلاحاً”. كلمة إصلاح تحمل شحنة أخلاقية إيجابية: من يعارض الإصلاح يبدو كأنه يدافع عن الفساد أو التخلف. بهذه اللغة، يُغلق النقاش قبل أن يبدأ. لا يُسأل: من سيشتري؟ وبأي شروط؟ ولصالح من؟ بل يُقال إن الدولة فاشلة، وإن السوق سيُصلح. في السودان، حيث السوق نفسه مختل ومحتكر، تحولت الخصخصة إلى إعادة توزيع للثروة من العام إلى الخاص، لكن اللغة جعلتها تبدو خطوة شجاعة نحو الحداثة.

ثم هناك كلمة “المرونة”. في الخطاب النيوليبرالي، المرونة قيمة إيجابية: اقتصاد مرن، سوق عمل مرن، سياسات مرنة. لكن خلف هذه الكلمة اللطيفة تختبئ حقيقة قاسية: عمل بلا عقد، بلا أمان، بلا حقوق، وبلا أفق. حين يُقال للشباب في السودان إن عليهم أن يكونوا “مرنين”، يُطلب منهم عملياً قبول الهشاشة كقدر، والتخلي عن فكرة الاستقرار، وتحمل المخاطر وحدهم. لا تُسمّى هذه الحالة هشاشة، لأن كلمة الهشاشة تُدين النظام، بينما المرونة تُدين الفرد إن فشل.

أما “التحرير”، فهي من أكثر الكلمات خداعاً. تحرير السوق، تحرير الأسعار، تحرير العملة. التحرير يوحي بالانعتاق والحرية. لكن في واقع مثل السودان، حيث لا توجد حماية اجتماعية ولا مؤسسات ضابطة، كان التحرير يعني في كثير من الأحيان إطلاق الأسعار من أي قيد، وترك الناس عراة أمام السوق. تحررت السلع من الرقابة، لكن لم يتحرر الناس من الفقر. تحررت العملة، لكن لم يتحرر الاقتصاد من التبعية. اللغة هنا تعكس المعنى وتخفي النتيجة.

الخطير في هذه اللغة أنها تنقل مركز المشكلة من النظام إلى الفرد. حين ترتفع الأسعار، لا يُقال إن السياسات فشلت، بل يُقال إن الناس “يستهلكون أكثر من اللازم”. حين ينهار العمل، لا يُقال إن الاقتصاد لا يخلق وظائف، بل يُقال إن المهارات غير مناسبة. حين ينهار الجنيه، لا يُقال إن البنية الإنتاجية ضعيفة، بل يُقال إن السوق يصحح نفسه. بهذه الطريقة، يتحول الغضب من أعلى إلى أسفل، ويُعاد توجيهه نحو الضحية نفسها.

في السودان، لعب هذا التحول اللغوي دوراً مركزياً في إضعاف أي نقاش عام حقيقي حول الاقتصاد. الكلمات أصبحت تقنية، جافة، معزولة عن الحياة اليومية. يتحدث الخبراء عن “عجز”، و“توازنات”، و“مؤشرات”، بينما الناس تتحدث عن الخبز والمواصلات والدواء. الفجوة بين اللغتين ليست بريئة؛ هي جزء من آلية الحكم. حين لا يتحدث الناس والسلطة اللغة نفسها، يصبح الاعتراض “غير علمي”، ويُقصى من المجال العام.

اللغة النيوليبرالية لا تفرض الصمت بالقوة، بل بالإرهاق. تُغرق النقاش بمصطلحات تبدو معقدة، وتُقدَّم بوصفها غير قابلة للنقاش. ومع الوقت، يبدأ الناس في ترديدها دون وعي: يكررون أن الدعم تشويه، وأن الخصخصة إصلاح، وأن المرونة ضرورة، وأن التحرير شجاعة. هنا تصل النيوليبرالية إلى أخطر مراحلها: حين يتبناها المجتمع لغوياً حتى وهو يتأذى منها مادياً.

لهذا، فإن معركة النيوليبرالية ليست فقط على السياسات، بل على المعاني. من يملك اللغة، يملك القدرة على تعريف المشكلة، وبالتالي تعريف الحل. وفي السودان، حيث تُدار الأزمات بلغة مستوردة ومنفصلة عن الواقع، يصبح تفكيك هذه اللغة شرطاً لأي مقاومة حقيقية. ليس المطلوب استبدال كلمة بأخرى فقط، بل إعادة ربط الكلمات بحياة الناس، وبالأسئلة الأخلاقية التي تحاول النيوليبرالية إخفاءها: من يدفع؟ من يستفيد؟ ولماذا؟

نعود إلى هذه السلسلة لأن تفكيك النيوليبرالية لم يكتمل بعد، ولأن اللغة ربما تكون أخطر أدواتها وأقلها وضوحاً. في المقالات القادمة سنواصل تفكيك هذه المنظومة من زوايا أخرى اقترحها القراء، قبل أن ننتقل، في الوقت المناسب، إلى نقاش البدائل. لأن استعادة المعنى هي الخطوة الأولى لاستعادة القرار.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى