
ينطلق كتاب الرأسمالية أخلاق تأليف الفيلسوف الفرنسي أندريه كونت-سبونفيل و ترجمة بسام حجار من أطروحة مركزية مفادها أن الرأسمالية نظام فعّال في إنتاج الثروة وتنظيم التبادل، وأنها تفتقر بذاتها إلى أي مضمون أخلاقي أو روحي، مما يجعلها عرضة للتحول إلى قوة عمياء إذا تُركت دون توجيه قيمي. ويؤكد المؤلف أن الأخلاق لا تنبع من السوق ولا من منطق الربح، وإنما من الإنسان، من ضميره، ومن القيم الثقافية والروحية التي تتجاوز الاقتصاد.
الرأسمالية بوصفها مسارًا تاريخيًا
يعرض كونت-سبونفيل الرأسمالية بوصفها نتيجة لتراكم تاريخي طويل شاركت فيه الإنسانية جمعاء، ويبيّن أنها لم تنشأ كمشروع أخلاقي ولا كتصور فلسفي للخير، وإنما كآلية لتنظيم الإنتاج والتبادل. ويبرز أن هذا الطابع التاريخي يجعلها واقعة قائمة لا يمكن تجاوزها بسهولة، ويجعل النقاش الحقيقي منصبًا على كيفية تقييدها أخلاقيًا وتوجيهها إنسانيًا.
الفصل بين منطق السوق ومنطق الأخلاق
يؤكد الكتاب أن السوق يعمل وفق منطق خاص يقوم على المنفعة والفعالية والمنافسة، وأن هذا المنطق يحقق نجاحه في المجال الاقتصادي تحديدًا. ويشرح أن الخلل يظهر عندما يُنقل هذا المنطق إلى مجالات الحياة الأخرى كالقيم والعلاقات الإنسانية والسياسة، حيث تتحول الأخلاق إلى سلعة، ويُقاس الإنسان بقدرته على الإنتاج والاستهلاك.
أزمة المعنى في المجتمعات الرأسمالية
يرصد المؤلف أزمة عميقة يعيشها المجتمع الغربي المعاصر، تتمثل في فقدان المعنى وانحسار الأفق الإنساني الجامع. ويحلل كيف أدى تكديس الثروة وتحويل المال إلى غاية قائمة بذاتها إلى فراغ روحي، جعل الأفراد يبحثون عن بدائل في الروحانيات الفردية أو الهويات المغلقة، دون قدرة حقيقية على بناء معنى مشترك.
الرأسمالية بعد نهاية الخصم التاريخي
يتناول الكتاب مسألة انتصار الرأسمالية في نهاية القرن العشرين، ويبين أن هذا الانتصار أفرغها من التوتر التاريخي الذي كان يمنحها شرعية دفاعية. ويحلل كيف دفع هذا الوضع بعض المجتمعات الغربية إلى البحث عن خصم جديد يمنحها تماسكًا وهميًا.
السياسة والأخلاق والدين في العالم المعاصر
يعرض كونت-سبونفيل نقدًا واضحًا لتراجع الفعل السياسي وتحوله إلى إدارة تقنية تخضع لمنطق السوق. ويؤكد أن الأخلاق تحتاج إلى فضاء عام يحميها ويترجمها إلى تشريعات وسلوك جماعي. كما يبرز أهمية الدين بوصفه خزانًا رمزيًا وأخلاقيًا قادرًا على إغناء العلاقات الإنسانية، مع التأكيد على استقلال المجال الأخلاقي عن التوظيف الأيديولوجي أو السلطوي للدين.
الخلاصة الختامية
يخلص الكتاب إلى أن الرأسمالية قادرة على الاستمرار بوصفها نظامًا اقتصاديًا فعّالًا عندما تُحاط بإطار أخلاقي واضح يستمد جذوره من الإنسان وقيمه المشتركة. ويؤكد أن مستقبل الحضارة مرهون بقدرة المجتمعات على إعادة الاعتبار للأخلاق والسياسة والمعنى، بما يضمن توازنًا بين القوة الاقتصادية والكرامة الإنسانية.
