الشرق قادمحول الخليجعاجل

إعادة توازن بالبحر الأحمر ..تحالف مصر والسعودية والصومال

معتز منصور 

التحركات الأخيرة لمصر والسعودية والصومال على ضفاف البحر الأحمر تمثل أكثر من مجرد اتفاقات عسكرية أو تعاون تقني، فهي جزء من محاولة عربية لإعادة هندسة التوازن الاستراتيجي في منطقة حرجة تشكل شريان الملاحة العالمية والأمن القومي العربي. هذه التحركات يجب أن تُفهم في سياق أوسع من التنافس الداخلي بين القوى الخليجية، السعودية والإمارات، والذي امتد من صراع النفوذ في اليمن إلى الضفة الإفريقية للبحر الأحمر، مع انعكاسات محتملة على استقرار المنطقة ومصالحها الاقتصادية.

الاختلافات الاستراتيجية بين الرياض وأبو ظبي ليست وليدة الحرب اليمنية منذ 2015، بل امتداد لتراكمات تاريخية عميقة حول مدى أولوية الأمن القومي مقابل النفوذ الإقليمي طويل الأمد. السعودية ركزت على حماية حدودها الجنوبية وتأمين خطوط الملاحة، بينما تبنت الإمارات استراتيجية أكثر طموحًا للنفوذ البحري والتجاري، عبر السيطرة على الموانئ والمواقع الاستراتيجية في القرن الإفريقي، خصوصًا في الصومال وجيبوتي. هذا النهج الإماراتي، الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، جعلها طرفًا فاعلًا قادرًا على التأثير في البحر الأحمر بما يخدم مصالح حلفائها، لكنه في الوقت نفسه أثار مخاوف عربية من عسكرة الفراغات الأمنية وتحويل المنطقة إلى ساحة صراع غير متحكم فيها.

السعودية، مدفوعة بالحاجة لإعادة ضبط النفوذ، عملت على تعزيز الشراكات العسكرية مع الصومال بالتنسيق مع مصر، في محاولة لإعادة توزيع أوراق النفوذ بطريقة تمنع أي طرف من الهيمنة المنفردة. التحرك السعودي يهدف إلى توفير إطار عربي متوازن يضمن الأمن البحري، ويحد من أي تصعيد محتمل يمكن أن يؤثر على الملاحة في البحر الأحمر، وهو شريان حيوي للتجارة الدولية والاقتصادات العربية.

مصر، التي تمتلك أطول سواحل على البحر الأحمر وأكثر من 2,000 كيلومتر من السواحل الحيوية، لم تتصرف بشكل سلبي أو متفرج، بل عززت وجودها العسكري في الصومال وجيبوتي وإريتريا وكينيا، وأبرمت اتفاقيات مباشرة مع الحكومة المركزية في مقديشو، لضمان أن أي نفوذ خارجي لا يقوض الأمن البحري المصري أو مصالحها الاستراتيجية في قناة السويس. هذا التحرك يعكس وعي القاهرة بأن أي تصاعد للتنافس الخليجي في المنطقة قد ينعكس على الأمن القومي العربي وممرات الملاحة الدولية، ويضع مصر في موقع الضابط للتوازن بين القوى الإقليمية المختلفة.

الصومال تمثل ساحة اختبار لإعادة ضبط التوازن. الحكومة المركزية واجهت تحركات منفردة للإمارات في الجنوب والموانئ، ما دفعها للانفتاح على شراكات استراتيجية مع مصر والسعودية، تضمن تعزيز سيادة الدولة والتوازن بين القوى الإقليمية. هذا الإطار الجديد يحاول الجمع بين الدعم العسكري واحتواء النفوذ الخارجي بطريقة متوازنة، مما يوفر نموذجًا لإدارة التنافس الإقليمي دون تصعيد مفتوح.

الجانب اليمني، بصراعه الداخلي المستمر بين المكونات المختلفة، ما زال يلقي بظلاله على الأمن الإقليمي. أي توترات أو تحولات سياسية في الجنوب أو على طول الساحل اليمني تؤثر مباشرة على البحر الأحمر ومسارات الملاحة الحيوية، وتجعل ضبط النفوذ العربي ضرورة عاجلة للحفاظ على الأمن البحري الإقليمي. التحالف المصري–السعودي–الصومالي يسعى إلى احتواء تداعيات الصراع اليمني الداخلي على المنطقة، وإيجاد توازن عربي يضمن الأمن البحري والمصالح الاستراتيجية دون تصعيد مباشر.

البعد الأمريكي–الإسرائيلي يتقاطع هنا بشكل واضح مع النفوذ الإماراتي. الولايات المتحدة تعتبر البحر الأحمر ممرًا استراتيجيًا حيويًا لمصالحها العالمية، فيما إسرائيل ترى الضفة الإفريقية كموقع حساس لمراقبة تحركات بحرية واستخباراتية استراتيجية. هذه العلاقات تعكس أبعادًا مزدوجة للتأثير، بحيث تتحول الإمارات إلى قناة غير مباشرة لتوازن القوى لصالح حلفاء دوليين، مع الحفاظ على النفوذ العربي المحلي، لكنها أيضًا تثير تحديات أمام الأطراف العربية الأخرى.

التحالف المتوقع بين مصر والسعودية والصومال ليس موجهاً ضد طرف بعينه، بل محاولة لإعادة هندسة التوازن العربي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وإدارة النفوذ الخارجي والخليجي بشكل يحول التباينات القديمة من عامل تفجير إلى عنصر استقرار، بما يحمي مصالح الأمن القومي العربي، الملاحة الدولية، ومكانة الدول العربية الكبرى والصغرى في محيطها الاستراتيجي. هذا التحالف يوفر نموذجًا لكيفية إدارة المنافسات الإقليمية بطريقة متوازنة، تجمع بين الضبط العسكري والتنسيق السياسي، وتؤكد على أن الأمن البحري العربي لا يمكن عزله عن التنافس الإقليمي والتفاعلات الدولية.

في النهاية، ما يجري على ضفاف البحر الأحمر ليس مجرد ترتيب للقوى، بل تحرك استراتيجي شامل يركز على حماية الأمن القومي العربي واستقرار خطوط الملاحة الحيوية في المنطقة. أي إخفاق في إدارة هذه الديناميات قد يفتح المجال لتصعيدات غير محكومة تؤثر على الأمن الإقليمي والتجارة العالمية، فيما الإدارة الذكية لهذه التحالفات قد تحول التباينات إلى عوامل توازن واستقرار حقيقية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى