عاجلمقالاتملفات

وساطة ترمب في سدّ النهضة حلّ أزمة أم صفقة سياسية أوسع؟

هانى الكنيسى :

تتعدد التحليلات وتتباين بشأن الأجندة الأمريكية “الحقيقية” من وراء عرض “الوساطة” بين مصر وأثيوبيا بشأن أزمة سد النهضة، والذي أعاد الرئيس ترمب طرحه في رسالة رسمية إلى السيسي تحمل نبرة “تعاطفية”، مؤكدًا أن “واشنطن تدرك الأهمية الحيوية لنهر النيل لمصر”، وأنه “لا ينبغي لأي دولة أن تسيطر بشكل أحادي على الموارد الحيوية بما يضر بجيرانها”. 

وجاء رد السيسي “محسوبًا”، ومقتصرًا على الترحيب “دون التزام”، في ظل غياب تفاصيل واضحة حول مسار الوساطة و”مغزاها” أو “ثمنها”. 

ورغم مبادرة القاهرة والخرطوم بالترحيب “مبدئيًا”، فقد التزمت أديس أبابا الصمت (حتى الآن).

مصر تربط أي تفاوض جديد بضمانات:

 عدم المساس بحصتها التاريخية (55.5 مليار م³ وفق اتفاقيتي 1929 و1959). 

 وقف التشغيل الأحادي للسد  وضع قواعد ملزمة للملء والتشغيل و التحفظ على مصطلح “تشارك المياه” الذي يفتح باب إعادة النظر في الحصص التاريخية. 

أما إثيوبيا “المتأنية”، فيتوقع المراقبون أن يأتي قبولها لوساطة ترمب “مشروطًا” 

بمطلبين رئيسيين:  الحلول داخل البيت الإفريقي: أي بموافقة شركائها في دعم الاتفاقية الإطارية التعاونية لحوض النيل (اتفاقية عنتيبي 2024)، الذين انضموا لأديس أبابا في رفض الاعتراف بحصص مياه النيل “التاريخية”، وهي دول حوض النيل أوغندا، تنزانيا، رواندا، كينيا، وبوروندي، بالإضافة إلى جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

 استغلال النيل الأزرق في مشاريعها التنموية، دون “قيود” مصرية أو سودانية. 

هل ينجح ترمب هذه المرة؟

المبادرة ليست جديدة في جوهرها، فقد سبق لواشنطن أن استضافت جولات تفاوضية مطوّلة عام 2020 بمشاركة البنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، انتهت بانسحاب إثيوبيا ورفضها التوقيع على المسودة التي وقّعت عليها مصر بالأحرف الأولى.

مؤيدو المبادرة يرون أن ترمب في ولايته الثانية “أكثر حسمًا”، بينما يحذر آخرون من أن:

اكتمال بناء سد النهضة (الذي افتتح رسميًا في سبتمبر 2025، وتعتبره إثيوبيا مشروعًا سياديًا لتوليد الطاقة) يجعل أي تنازلات إثيوبية أقل احتمالًا. واشنطن قد تستخدم الملف كورقة “مساومة” في ملفات أخرى، أو كما أشار محللون إلى “الثمن المطلوب” لإنجاح أي اتفاق.

غياب الثقة بين القاهرة وأديس أبابا يجعل أي وساطة عرضة للانهيار عند أول خلاف.

لكن البعد الجديد اليوم، فهو “السياق” السياسي والإقليمي، ورغبة ترمب الواضحة في إعادة صياغة الدور الأمريكي بالشرق الأوسط والقرن الإفريقي، في ظل تقاطع عدة عوامل وملفات، أبرزها:القرن الإفريقي: عقدة جيوسياسية .

يتصاعد التوتر في القرن الإفريقي على خلفية التحركات الإسرائيلية والإماراتية في الصومال، وفي ضوء تصريحات ‘آبي أحمد’ الأخيرة بأن حصول أثيوبيا على منفذ بحري أصبح “أمرًا لا مفر منه”. ولواشنطن طبعًا حساباتها الخاصة وطموحات نفوذها في منطقة استراتيجية تعج بالمنافسات الإقليمية والدولية. 

مستقبل غزة: ورقة ضغط مصرية وكارت مساومة أمريكية

يرجّح بعض الدبلوماسيين أن “وساطة ترمب” ليست منفصلة عن ملفات إقليمية أخرى، على رأسها غزة. فالقاهرة لاعب محوري في خطط ما بعد الحرب، سواء فيما يتعلق بالمعابر أو مستقبل القطاع أو الترتيبات الأمنية على الحدود. وواشنطن تحتاج مصر إلى جانبها، خصوصًا في ظل تعقّد المشهد الإقليمي وتعنّت إسرائيل (الذي تجلّى في اعتراض النتنياهو الأخير على تشكيلة “مجلس السلام” وعلى أي مشاركة قطرية أو تركية في ترتيبات غزة). 

البحر الأحمر: أمن الملاحة العالمية وباب المندب خط أحمر 

هجمات الحوثيين المتكررة على الملاحة في البحر الأحمر خلال العامين الماضيين (تضامنًا مع غزة)، والمخاوف من سطوة إيرانية على خليج عدن -عبر وكيلها في اليمن- ألهبت قلق الأمريكيين ودفعتهم إلى تعزيز وجودهم العسكري وتوسيع تحالفاتهم في هذه البؤرة الاستراتيجية. ومن منطلق إدراك واشنطن أهمية دور مصر -بثقلها الجغرافي والعسكري والتاريخي- في هذه المنطقة، فلا يمكن استبعاد أن يكون عرض الوساطة جزءًا من “صفقة أوسع”، تهدف إلى ضمان اصطفاف القاهرة مع الرؤية الأمريكية (وهو استنتاج يتسق تمامًا مع مبادئ “فن الصفقات البرتقالية”.

دور الخليج.. لماذا السعودية والإمارات؟

إرسال ترمب نسخًا من خطابه إلى قادة السعودية والإمارات، والذي وُصف بأنه “خطوة غير مألوفة دبلوماسيًا”، أثار تساؤلات حول مغزاها، بينما قرأها البعض في ضوء احتمالين

أمل ترمب في ضخ استثمارات خليجية لتسهيل التفاهمات بين القاهرة وأديس أبابا.

صفقات “جانبية” مرتبطة بالبحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح الرياض وأبوظبي مع واشنطن في تأمين الممرات البحرية ومواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في الموانئ الإفريقية.

ناهيك عن أن للسعودية والإمارات نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا واسعًا في إثيوبيا، ما يجعل إشراكهما في أي تسوية أمرًا منطقيًا من وجهة نظر واشنطن.

الخلاصة: وساطة أم صفقة؟

الوساطة الأمريكية إذن ليست مجرد مبادرة لحل أزمة مائية بين مصر وإثيوبيا، بل جزء من لوحة جيوسياسية أكبر وأكثر تعقيدًا:

 واشنطن تريد ترسيخ نفوذها في القرن الإفريقي (احتواء الطموحات الإثيوبية دون خسارة مصر والسودان). 

واشنطن تحتاج القاهرة إلى جانبها في ملفات غزة وأمن البحر الأحمر.

واشنطن تسعى إلى إشراك السعودية والإمارات في ترتيبات إقليمية أوسع وربما في تمويل مشاريع أحلامها بالقرن الأفريقي.

في ضوء ذلك، تبدو وساطة ترمب أقرب إلى “عرض سياسي” متعدد الطبقات، قد يفتح بابًا للحل، لكنه يحمل في طياته أيضًا مساومات محتملة، يصعب التكهن بتداعياتها أو بإمكانية “دفع أثمانها”. 

ترمب متأمل أن “يتفاهم” مع السيسي أثناء لقائهما المرتقب في دافوس بشأن عضوية مجلس “سلام غزة”، وسد النهضة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى