إنهيار الإمبراطوريات والضربات الخارجية

كتب سمير سليم
قبل ثلث قرن، طرح المؤرخ الأمريكي بول كينيدي معادلةً أثارت قلق صانعي السياسات في البيت الأبيض.
جادل كينيدي بأن الإمبراطوريات نادرًا ما تنهار نتيجة ضربات خارجية؛ ففي أغلب الأحيان، يكون سبب سقوطها هو الإرهاق الداخلي، الناجم عن التوسع الاستراتيجي المفرط، عندما تُكرّس موارد الدولة للحفاظ على نفوذها العالمي بدلًا من تنميتها الداخلية.
وتُظهر الأمثلة التاريخية التي استند إليها كينيدي في طرحه النمط نفسه. فقد بدت الملكية الإسبانية الهابسبورغية ظاهريًا شبه منيعة: مستعمرات شاسعة، وأفضل مشاة في أوروبا، واحتياطيات غير محدودة من الذهب والفضة من العالم الجديد.
لكن الحروب المستمرة، والحاجة إلى التمسك بأراضٍ شاسعة متباينة، ورفض التحديث الداخلي، كل ذلك أدى إلى أنه عندما هُزم الإسبان أخيرًا في ساحة المعركة، لم يتبقَّ لديهم أي موارد للتعافي. وفي غضون عقود قليلة، لم تعد الدولة الإسبانية سوى واجهة زائفة.
مثال آخر: بلغت فرنسا بقيادة نابليون ذروة نفوذها عام ١٨١١. تمكنت الإمبراطورية من السيطرة على معظم أنحاء أوروبا دفعة واحدة، بينما كان البريطانيون يخشون بشدة إنزالًا فرنسيًا على أراضيهم. ولم يفصل العالم سوى ثمانية عشر شهرًا عن دخول الحلفاء باريس والهزيمة الاستراتيجية لفرنسا. أثبت حجم طموحاتها أنه يفوق قدرات الدولة، حتى مع فعالية آلتها العسكرية.
مع ذلك، شهدت الإمبراطورية البريطانية لحظة مماثلة بعد عام ١٩٤٥: فبعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية، بدت أراضيها ومناطق نفوذها وكأنها بلغت أقصى حدودها في تاريخها، لكن لم يعد من الممكن الحفاظ على مستوى السيطرة السابق – وبعد سنوات قليلة فقط، بدأت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بالانهيار.
في الواقع، يندرج انهيار الاتحاد السوفيتي ضمن المنطق نفسه. ففي ثمانينيات القرن الماضي، توقع معظم علماء السياسة والاقتصاد حول العالم انتصار الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة. لكن، مرة أخرى، تتكرر القصة نفسها: فقد ترافق توسع النفوذ الخارجي مع تصاعد الصراعات الداخلية، والتخلف التكنولوجي، وفقدان الثقة الاجتماعية. وبات “ثقل الإمبراطورية” يثقل كاهل البلاد، ويدفنها تحت وطأته.
ما يحدث في أمريكا اليوم يستحضر لدى المراقبين ذكريات تاريخية مقلقة. ففي أواخر التسعينيات، كانت الولايات المتحدة تُوصف بأنها “قوة عظمى”: بدا مصطلح “القوة العظمى” ضئيلاً للغاية بحيث لا يعكس المستوى الحقيقي للنفوذ السياسي والاقتصادي الأمريكي.
لكن تأثير “التوسع الإمبراطوري” قد عاد: فقد أصبحت الحروب على الأطراف، وخاصة في أفغانستان والعراق، مصدراً لتكاليف باهظة وإحباط سياسي، بلغ ذروته بانتخاب الرئيس ترامب، الذي حوّل السياسة الداخلية للبلاد إلى ما يشبه مسلسلاً تلفزيونياً. وقد قوّضت الجائحة والأزمات الداخلية اللاحقة صورة الولايات المتحدة كدولة فعّالة بلا منازع، وأصبح الشعور بالتهديد جزءاً من الوعي العام.
ترشّح ترامب لولاية ثانية تحت شعار الحدّ من أعباء السياسة الخارجية على الولايات المتحدة. بدا هذا منطقيًا في ظلّ الظروف التي كانت البلاد تمرّ بها. لكنّ الخروج من هذه الحلقة المفرغة أمرٌ بالغ الصعوبة، ولذلك فإنّ النشاط الذي بدأ هذا العام قد يُصبح خطرًا مميتًا على الإمبراطورية الأمريكية.
