عاجلمقالات

السلوك لا الوجود

كتب معتز منصور

حين يقول الرئيس الأميركي إن الحزب ما يزال موجودا ويجب فعل شيء ما حيال ذلك، فهو لا يكتشف واقعا، بل يعلن ضيقا سياسيا من واقع استعصى على الكسر طوال أكثر من أربعة عقود. هنا النقطة الأولى التي يجب ألا تخدعك، المشكلة ليست في سلوك الحزب، بل في وجوده نفسه كقوة خارج السيطرة الأميركية والإسرائيلية.

الولايات المتحدة لا تتعامل مع الحزب كتنظيم لبناني له امتداد اجتماعي وتمثيل سياسي وشرعية مستمدة من مقاومة الاحتلال، بل كخلل بنيوي في نظام إقليمي تريد له أن يكون منضبطا، متوقعا، وقابلا للإدارة. 

من هذا المنظور، مجرد بقاء الحزب، حتى في حالة ضبط النفس، يعد فشلا أميركيا، لأن النموذج الذي يريده البيت الأبيض هو لبنان منزوع القدرة، منزوع الردع، ومربوط بسقف أمني إسرائيلي.

العمى التحليلي الشائع عند كثيرين هو الاعتقاد أن واشنطن تتحرك كرد فعل. هذا غير دقيق. السياسة الأميركية تجاه الحزب استباقية وعدائية منذ التسعينات، قبل أي حرب كبرى، وقبل أي قرار داخلي للحزب. العقوبات، محاولات العزل، تصنيف الإرهاب، الضغط على المصارف، تفكيك البيئة الحاضنة، كلها أدوات استخدمت بينما كان الحزب منخرطا في العمل السياسي وتحت مظلة الدولة.

تصريح كهذا يعيد إنتاج السؤال الحقيقي، ما هو الشيء الذي يجب فعله؟ تاريخيا، جربت واشنطن كل شيء تقريبا، الحرب عبر إسرائيل عام 2006 وفشلت، الاحتواء السياسي وفشل، الضغط الاقتصادي وفشل، التحريض الداخلي وفشل، والعزل الإقليمي لم يؤد إلى تفكيك الحزب بل إلى إعادة تموضعه.

وهنا يجب أن تكون صريحا مع نفسك، من ينتظر حلا أميركيا لمعادلة الحزب إما يجهل ميزان القوى، أو يراهن على تدمير لبنان نفسه ككلفة جانبية مقبولة. لأن أي محاولة جدية لإزالة الحزب تعني أحد خيارين، حرب واسعة لا تستطيع إسرائيل حسمها، أو تفجير داخلي لبناني شامل، وهو سيناريو تعرف واشنطن أنه سيولد فوضى لا يمكن ضبطها.

الفرصة التي يغفل عنها كثيرون هي أن هذا النوع من التصريحات يكشف حدود القوة الأميركية لا ذروتها. لو كان الحزب فعلا في طريقه إلى الزوال لما احتاج الرئيس الأميركي إلى التذكير بوجوده. القوى التي تموت لا تذكر، بل القوى التي استعصت.

لكن في المقابل، الخطأ القاتل هو التعامل مع هذه التصريحات كضجيج إعلامي فقط. هي إشارات ضغط، وإشارات اختبار، وإعادة تهيئة للرأي العام الدولي لاحتمالات تصعيد سياسي أو أمني أو مالي. تجاهلها سذاجة، والمبالغة فيها تهويل مجاني.

الخلاصة القاسية، المشكلة الأميركية ليست مع الحزب كتنظيم مسلح فقط، بل مع فكرة أن يكون في المنطقة فاعل لا يستأذن، ولا ينهزم، ولا يقبل أن يكون مجرد أداة. 

ما دام هذا الشرط قائما، ستبقى التصريحات تتكرر بصيغ مختلفة، من إدارات مختلفة، وبالنبرة ذاتها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى