أخبارالهلال الخصيبعاجل

لبنان يتحول إلى “ثكنة لوجستية” للأطلسي

بقلم: طلال نحلة

بينما تحبس المنطقة أنفاسها انتظاراً لشرارة الحرب التي تلوح في الأفق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبدو أن لبنان قد دخل فعلياً في “عين العاصفة” قبل أن تطلق الرصاصة الأولى. إن ما تشهده مدارج مطار رفيق الحريري الدولي وقاعدة “حامات” الجوية العسكرية منذ مطلع العام 2026، ليس مجرد حركة روتينية لإجلاء رعايا أو تعزيز أمن سفارات؛ بل هو إعادة تموضع عسكري استراتيجي يُنذر بأن سيناريو “حرب الإسناد” قد تم وضعه على طاولة العمليات الغربية كحتمية لا مفر منها.

بصفتي مراقباً للحركة العسكرية في المنطقة، فإن قراءة البيانات الحصرية لحركة الطيران العسكري في الأيام الخمسة والعشرين الأولى من يناير الجاري، ومقارنتها ببيانات “الجسر الجوي” في نوفمبر 2023، تكشف عن تحول نوعي وكمي خطير في طبيعة المهمات الموكلة لهذه الطائرات.

2023 مقابل 2026: من “رد الفعل” إلى “التحضير للضربة”

في نوفمبر 2023، إبان الحرب على غزة، رصدنا وصول 32 طائرة عسكرية خلال 33 يوماً. كان المعدل حينها طائرة واحدة يومياً، وكان العنوان العريض هو “إجلاء وتعزيز أمن السفارات”.

أما اليوم، وفي أقل من 25 يوماً (من 2 إلى 25 يناير 2026)، سجلنا وصول 31 طائرة عسكرية ثقيلة وتكتيكية. الكثافة زادت، لكن الأخطر هو نوعية الطائرات والحمولات.

نحن لا نتحدث اليوم عن طائرات نقل ركاب عسكرية فحسب، بل نحن أمام أسطول عملياتي متكامل يشير إلى إنشاء “غرفة عمليات متقدمة” (Forward Operating Base).

لغز “حامات” ونداءات “MSFIT”: القوات الخاصة الأمريكية في الميدان

النقطة الأكثر إثارة للقلق في بيانات يناير 2026 هي النشاط المحموم في قاعدة حامات الجوية (شمال لبنان). هذه القاعدة الصغيرة نسبياً، استقبلت وحدها 8 رحلات أمريكية خالصة خلال 3 أسابيع، بطائرات من طراز MC-130 و C-130.

  لماذا هذا الطراز؟ الطائرة MC-130 (التي رصدنا 3 منها تحت الرمز MSFIT) ليست طائرة نقل عادية. إنها العمود الفقري لقيادة العمليات الخاصة الجوية الأمريكية (AFSOC). مهمتها الأساسية: التسلل، الإنزال المظلي، إعادة تزويد المروحيات بالوقود خلف خطوط العدو، واستخراج القوات الخاصة.

 الرمز MSFIT: هذا الرمز (Callsign) غالباً ما يرتبط بفرق العمليات الخاصة. هبوط هذه الطائرات في “حامات” بعيداً عن مطار بيروت يعني شيئاً واحداً: نقل معدات تكتيكية دقيقة أو فرق نخبة (Special Forces) لمهام غير معلنة، تتجاوز بكثير حماية أسوار سفارة في عوكر.

العمالقة في بيروت: هل هو جسر لنقل العتاد الثقيل؟

في 2023، أثارت طائرات C-17 و A400M التساؤلات. لكن في 2026، القائمة تضم “الوحش الطائر” AN-124 التابعة للناتو (إيطاليا) التي هبطت في 19 يناير.

هذه الطائرة هي واحدة من أضخم طائرات الشحن في العالم، قادرة على حمل دبابات، منظومات دفاع جوي، أو مروحيات قتالية مفككة.

ترافق ذلك مع هبوط متكرر لطائرات C-17 Globemaster III الأمريكية (4 رحلات) و A400M (بريطانية وإسبانية).

هذا المزيج من الطائرات الثقيلة يوحي بأن الغرب يقوم بتخزين استراتيجي (Pre-positioning) للعتاد والذخائر داخل الأراضي اللبنانية، ربما لاستخدامها كنقطة انطلاق أو كقاعدة دعم لوجستي سريع في حال اندلاع الحرب الإقليمية وإغلاق الأجواء المحيطة.

ـــ المفارقة الإيرانية وسط الحشد الأطلسي

في خضم هذا الإنزال الغربي الكثيف، تبرز رحلة يتيمة ولكنها ذات دلالة هائلة:

 8 يناير 2026 – طائرة إيرانية A321: هبطت في مطار بيروت وسط أسراب الطائرات الأمريكية والفرنسية والبريطانية.

هذا الهبوط هو رسالة جيوسياسية بحد ذاته. هل كانت رحلة لنقل رسائل أخيرة؟ أم إخلاء شخصيات حساسة؟ أم تنسيق اللحظة الأخيرة مع الحلفاء في لبنان؟ وجود طائرة إيرانية في نفس المدرج مع طائرات الناتو في هذا التوقيت هو تجسيد لسياسة “حافة الهاوية”.

قراءة في هوية الطائرات والدول (يناير 2026):الدولة الطراز الأبرز الدلالة العسكرية الولايات المتحدة | MC-130, C-17, UC-35D | عمليات خاصة، نقل استراتيجي ثقيل، قيادة وسيطرة. التركيز على “حامات” يوحي بعمل أمني/عسكري مستقل. 

 إيطاليا / الناتو ( KC767, AN-124 )الدعم اللوجستي الأضخم (الوحش AN-124). إيطاليا تلعب دور “رأس الحربة” اللوجستي للناتو في المتوسط. | فرنسا | A330 MRTT | طائرات تزويد وقود ونقل استراتيجي. وجودها يشير إلى جاهزية لعمليات جوية طويلة الأمد. 

بريطانيا (A400M ) نقل تكتيكي سريع، غالباً لقوات التدخل السريع. 

 بولندا ( C295 ) طائرات نقل متوسطة، قد تكون مرتبطة بقوات خاصة أو دعم لوجستي لقوات حفظ السلام بمهام معدلة.

ــ  لبنان ليس مجرد “ساحة مراقبة”

إن الفارق الجوهري بين جسر 2023 الجوي وجسر 2026 الحالي يكمن في “الهدف”.

في 2023، كان الغرب “مرتبكاً” ويحاول حماية دبلوماسييه. أما اليوم، فالبيانات تشير إلى “خطط عملياتية ممنهجة”.

استخدام طائرات العمليات الخاصة (MC-130) في قواعد نائية (حامات)، واستقدام أضخم طائرات الشحن (AN-124)، يعني أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يتوقعون مجرد “إجلاء”، بل يستعدون لسيناريو عسكري معقد قد يضطرون فيه للعمل من داخل لبنان أو عبر أجوائه لقطع الطريق على أي إسناد قد يقدمه الحزب لإيران، أو ربما لتنفيذ عمليات جراحية استباقية.

الهدوء في شوارع بيروت خادع، فهدير المحركات في مطاراتها يروي قصة حرب قد بدأت بالفعل في الكواليس اللوجستية.

زر الذهاب إلى الأعلى