الهلال الخصيبعاجلمقالات

العراق والاشتباك الإقليمي

 معتز منصور – باحث سياسي 

من يراقب المشهد الإقليمي من بغداد لا يحتاج إلى كثير من التنظير ليُدرك أن المنطقة لا تعيش صراعًا تقليديًا بين معسكرين، بل حالة تعطيل ممتدة، لا انتصار فيها ولا هزيمة. العراق في هذا السياق ليس مجرد ساحة، بل كاشف شامل لأزمة الإقليم كلها. الدولة وُضعت في قلب التوازنات القسرية، فتصبح حرارة بغداد معيارًا لرصد الاتجاهات الكبرى ودفع كلف التحولات قبل أن تستقر نتائجها.

منذ 2003، لم يُتح للعراق أن يعيد تعريف نفسه خارج وظيفة محددة. لا هو تُرك ليستعيد مكانته كدولة مركزية، ولا جرى تفكيكه بالكامل كما حدث في نماذج أخرى. اختير له موقع يسمح باستخدامه عند الحاجة، ويمنع تعافيه حين يقترب من الاستقلال. هذا الموقع ليس صدفة، بل نتاج تصور يرى في العراق عقدة جغرافية وسياسية: من يسيطر على إيقاعها يستطيع التأثير في مسارات أوسع بكثير من حدودها.

في قلب هذا الواقع، ما يبدو فشلًا أو انعدام حسم هو وظيفة دقيقة لإدارة الصراع. العراق لم يُترك معطّلًا صدفة، بل جرى الحفاظ على مستوى من اللاقرار يسمح باستخدامه عند الحاجة ويمنع خروجه من المعادلة. الاشتباكات المحدودة، التدخلات غير النهائية، والسيطرة الجزئية على السياسة والاقتصاد، كلها أدوات لإبقاء التوازنات في حالة سيولة مستمرة.

ما بدأ كضغط خارجي صار، مع الوقت، جزءًا من نمط داخلي لإدارة الأزمة. النخب تعلمت كيف تستفيد من مساحة اللاقرار لتضمن البقاء السياسي مع أقل مخاطرة ممكنة، بينما القوى الخارجية تحقق أهدافها من دون الانخراط المباشر في انهيار الدولة.

هذا النمط لم يبق محصورًا في العراق، لكنه في العراق كان الأوضح. هنا تُدار الصراعات لا لحسمها، بل لمنع تحولها إلى وقائع نهائية. كل اشتباك مضبوط السقف، كل تصعيد محسوب التوقيت، وكل تهدئة مؤقتة، كلها تعمل على امتصاص الصراع وحصره ضمن حدود مسموح بها. الدولة تبقى حية، لكنها لا تمتلك القدرة على التحول إلى مركز قوة مستقل. العراق في هذا المعنى ليس مسرحًا، بل صمام ضغط يُستخدم لامتصاص فائض الصراع الإقليمي والدولي.

غير أن هذا الدور لم يكن ممكنًا لولا وجود بنية داخلية قابلة للتكيف مع التعليق الدائم. النخب التي تشكلت بعد الاحتلال لم تر في الدولة مشروعًا تاريخيًا، بل إطارًا وظيفيًا لتقاسم النفوذ وتجنب الصدام الكبير. السياسة تحوّلت من فن القرار إلى فن التأجيل. كل ملف يُفتح ليُدار لا ليُحل، وكل تناقض يُحتوى لا ليُفكك. هذه العقلية أنتجت استقرارًا هشًّا، لكنه استقرار بلا اتجاه، أشبه بقدرة على البقاء لا على التقدم.

في قلب هذا الفراغ، برزت معادلات قوة خارج منطق الدولة التقليدي. لم تكن نتيجة طموح سلطوي، بل استجابة لحاجة وجودية في لحظة انهيار شامل. هذا السياق لا يمكن شطبه من الذاكرة التحليلية. غير أن ما بدأ كوظيفة حماية تحوّل مع الزمن إلى جزء من بنية التعطيل نفسها. حين لا تُدمج القوة في مشروع سياسي واضح، تصبح جزءًا من المشكلة التي وُجدت لحلها، ليس لأنها بلا شرعية، بل لأن غياب الأفق يحوّل أي قوة إلى عبء مهما كانت دوافعها.

المعضلة أعظم من ثنائية دولة ولا دولة. الدولة نفسها لم تُستعد بوصفها فكرة جامعة، بل بوصفها إطارًا وظيفيًا. في ظل هذا الفراغ المفهومي، يصبح من الصعب تحويل عناصر القوة إلى عناصر توازن مستدام. العراق لا يعاني فائض سلاح بقدر ما يعاني نقص معنى، معنى الدولة التي تعرف لماذا تمتلك القوة، ومتى تستخدمها، ومتى تضبطها.

ما يجعل العراق اليوم أكثر عمقًا هو أنه يشترك في نفس المعركة الإقليمية الكبرى التي تُقاس فيها قوة الردع وحماية الخيارات الاستراتيجية. من فلسطين إلى لبنان، ومن اليمن إلى شبكات النفوذ الإقليمي، يظهر العراق كمختبر لفاعلية معادلة الردع، وكمؤشر على حدود قدرة الدول على حماية نفسها عندما يتداخل الداخل بالضغط الخارجي، والدولة بالفاعلين الإقليميين. العراق هنا لا يختصر معاناته فحسب، بل يكشف كيف تصبح الدول أدوات مؤقتة لتوازنات أكبر، وكيف يمكن لقوة مقاومة محدودة أن تمنع انهيارًا كاملاً بينما لا تضمن استقرارًا شاملاً.

إقليميًا، يكشف العراق أيضًا عجز النظام العربي عن إنتاج توازن مستقل. العواصم التي ترفع شعارات السيادة لا تقدم للعراق شيئًا يتجاوز النصيحة أو العتب، بينما تتركه يواجه ضغوطًا متشابكة من الشمال والشرق والغرب. في هذا الغياب، لا يبدو العراق معزولًا بقدر ما يبدو مكشوفًا، بلا شبكة إسناد حقيقية.

دوليًا، يبدو العراق كإشارة مبكرة على نهاية نموذج السيطرة الواضحة. القوة الكبرى ما زالت حاضرة، لكنها لم تعد قادرة على فرض مسار. غياب الحسم لا يعني تراجع النفوذ، بل تحوله إلى نفوذ معطل، يمنع الآخرين من الانتصار من دون أن يملك القدرة على الانتصار بنفسه. هذه الحالة الانتقالية هي الأكثر خطورة، لأنها تطيل عمر الأزمات وتُفرغ الصراعات من نهاياتها.

القراءة السطحية ترى في العراق بلدًا فشل. القراءة الأعمق ترى فيه بلدًا حُبس في وظيفة. لكن الأكثر عمقًا هو الاعتراف بأن الخروج من هذه الوظيفة لم يعد شأنًا خارجيًا فقط. العراق يملك اليوم خبرة الأزمة، وأدوات البقاء، وشبكة علاقات تتيح له إعادة تعريف موقعه لو امتلك قرارًا بتغيير نمط الإدارة. المشكلة ليست في أن الخيارات غير موجودة، بل في أن كلفتها السياسية عالية، والنخب اعتادت العيش في المنطقة الرمادية حيث لا خسارة كاملة ولا ربح كامل.

من هنا، فإن استشراف الإقليم من زاوية العراق يقود إلى استنتاج غير مريح. الأزمة ليست في كثرة الأعداء ولا في شراسة الصراع، بل في تحويل الصراع إلى حالة دائمة بلا أفق. ما دام العراق يُدار كمساحة امتصاص، سيبقى الإقليم كله في حالة انتظار. وما دام القرار مؤجلًا، ستبقى القوة بلا ترجمة سياسية.

العراق لا يختصر أزمة الإقليم فقط، بل يختبر احتمالات خروجه منها. إما أن يبقى عقدة تعطيل، وإما أن يتحول، ببطء ووعي، إلى نقطة إعادة توازن. هذا التحول لا يحتاج شعارات جديدة، بل شجاعة كسر نمط الإدارة، والاعتراف بأن زمن التعليق، مهما بدا آمنًا، هو أخطر أشكال الخسارة البطيئة، وأن العراق جزء من معادلة أكبر، حيث كل دولة وقرار يمثل اختبارًا لإمكانيات الردع والنجاة الاستراتيجية في الإقليم كله.

زر الذهاب إلى الأعلى