جلسة انتخاب الرئيس : العراق بين استحقاق الرئاسة وتوترات الإقليم

يعقد مجلس النواب العراقي، يوم الثلاثاء، جلسة وُصفت بالمفصلية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، في محطة دستورية بالغة الحساسية تأتي في توقيت داخلي وإقليمي شديد التعقيد، وسط تصاعد التوترات في المنطقة، وضغوط دولية متزايدة على بغداد، ومخاوف متنامية من ارتدادات أمنية قد تعيد البلاد إلى دوائر عدم الاستقرار.
استحقاق دستوري بتوازنات سياسية دقيقة
وبحسب الأعراف السياسية المستقرة منذ عام 2003، جرت العادة أن يشغل منصب رئيس الجمهورية مرشح من المكوّن الكردي، في إطار نظام المحاصصة الذي حكم توزيع السلطات العليا في الدولة العراقية. ويُنظر إلى جلسة الثلاثاء باعتبارها اختبارًا جديدًا لقدرة القوى السياسية على إنتاج توافقات تمنع الانسداد السياسي، خاصة في ظل الانقسامات الحادة داخل البرلمان.
ويُعد انتخاب رئيس الجمهورية خطوة محورية، إذ ينص الدستور على أن يقوم الرئيس المنتخب بتكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة خلال مهلة لا تتجاوز 15 يومًا، ما يجعل نتائج هذه الجلسة مدخلًا مباشرًا لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية بكاملها.
الإطار التنسيقي يعيد طرح المالكي
في هذا السياق، أعلن الإطار التنسيقي، بوصفه الكتلة البرلمانية الأكبر داخل مجلس النواب، ترشيح رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي لتولي رئاسة الحكومة المقبلة، عقب تنحي رئيس الوزراء بالوكالة محمد شياع السوداني.
ويمثل ترشيح المالكي عودة قوية لأحد أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارة للجدل في المشهد السياسي العراقي، إذ شغل منصب رئيس الوزراء خلال الفترة من 2006 إلى 2014، وهي سنوات اتسمت بتحديات أمنية جسيمة، وصراعات طائفية، وتحولات إقليمية عميقة، لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة السياسية العراقية.
ويرى أنصار المالكي أن خبرته الطويلة وقدرته على إدارة الأزمات تجعله خيارًا مناسبًا لمرحلة بالغة التعقيد، في حين يعتبره خصومه رمزًا لمرحلة فشل سياسي وأمني، ويخشون أن تؤدي عودته إلى تعميق الانقسامات الداخلية وإعادة إنتاج أزمات سابقة.
انتخابات على وقع التصعيد الإقليمي
وتجري هذه التطورات السياسية في ظل تصاعد مؤشرات إقليمية خطيرة، أبرزها تزايد الحديث عن احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران، ما يضع العراق في موقع بالغ الحساسية، بحكم الجغرافيا والتشابك السياسي والأمني مع طهران وواشنطن على حد سواء.
ويخشى مراقبون من أن يتحول العراق مجددًا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، خاصة في حال انزلاق المواجهة الأمريكية–الإيرانية إلى مرحلة عسكرية مفتوحة، وهو سيناريو يحمل تداعيات مباشرة على الأمن الداخلي والاستقرار السياسي والاقتصادي.
ضغوط أمريكية وملف الحشد الشعبي
بالتوازي مع ذلك، تتعرض الحكومة العراقية لضغوط متزايدة، لا سيما من الولايات المتحدة، بشأن ملف سلاح الحشد الشعبي، في إطار مطالبات بإعادة هيكلة المنظومة الأمنية وحصر السلاح بيد الدولة.
ويُعد هذا الملف من أكثر الملفات حساسية في الداخل العراقي، نظرًا للدور الذي لعبه الحشد الشعبي في مواجهة تنظيم “داعش”، مقابل اتهامات موجهة لبعض فصائله بالارتباط بأجندات إقليمية، ما يجعل أي محاولة لمعالجة هذا الملف محفوفة بالمخاطر السياسية والأمنية.
عودة شبح التنظيمات المتطرفة
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تعود المخاوف من انتعاش نشاط التنظيمات المتطرفة، مستفيدة من حالة الانشغال السياسي والتوتر الإقليمي، ووجود ثغرات أمنية في بعض المناطق، وهو ما يضع الحكومة المقبلة أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في حفظ الأمن الداخلي، ومنع استغلال الفراغات السياسية من قبل الجماعات المسلحة.
مستقبل غامض ورهانات مفتوحة
ويرى محللون أن جلسة انتخاب رئيس الجمهورية لن تكون مجرد إجراء دستوري روتيني، بل تمثل بوابة لمرحلة سياسية جديدة، تتوقف ملامحها على طبيعة التفاهمات بين القوى الكبرى، وشكل الحكومة المقبلة، وقدرتها على الموازنة بين الضغوط الخارجية ومتطلبات الاستقرار الداخلي.
وفي ظل تعقّد المشهد، يبقى السؤال الأبرز:
هل تنجح الطبقة السياسية العراقية في إنتاج سلطة قادرة على تحصين البلاد من العواصف الإقليمية المقبلة، أم أن العراق مقبل على مرحلة جديدة من الاضطراب وعدم اليقين؟
