أخبارالشرق قادمالعرب وافريقيانحن والغرب

سد النهضة بين واشنطن والقاهرة: وساطة أمريكية مشروطة أم صفقة مصالح؟

المحلل السياسي 

رحّبت مصر بعودة الولايات المتحدة إلى ملف سد النهضة، في خطوة عكست رغبة واضحة في كسر حالة الجمود التي سيطرت على المفاوضات لسنوات، وإنهاء أزمة باتت تمثل أحد أخطر التحديات المرتبطة بالأمن القومي المائي المصري. غير أن هذا الترحيب لم يلبث أن تراجع، مع تسرّب معلومات تشير إلى أن التحرك الأمريكي الجديد يحمل في طياته مطالب تتجاوز إطار الوساطة السياسية التقليدية.

وبحسب ما تردّد في كواليس منتدى “دافوس” الاقتصادي، يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رعاية قمة تجمع مصر وإثيوبيا، بهدف التوصل إلى تسوية نهائية لملف السد، لكن مقابل “فاتورة سياسية واقتصادية” ترى القاهرة أنها مرتفعة الكلفة.

ـــ مطالب أمريكية مثيرة للجدل

ووفق ما نقلته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فإن ترامب طرح أمام مصر مطلبين رئيسيين، وُصفا بأنهما يشكلان اختبارًا حقيقيًا لحدود المرونة المصرية.

المطلب الأول تمثل في اقتراح ضخ مياه من نهر النيل باتجاه قطاع غزة وإسرائيل، في إطار مشاريع إقليمية مرتبطة بإعادة ترتيب ملفات المياه والطاقة في المنطقة. وهو طرح قوبل برفض مصري قاطع، إذ تعتبر القاهرة أن أي حديث عن إخراج مياه النيل خارج الحدود يمس سيادتها المباشرة، ويصطدم بحقيقة العجز المائي الذي تعانيه البلاد، فضلًا عن كونه “خطًا أحمر” لا يمكن التفاوض حوله.

أما المطلب الثاني، فجاء بطابع اقتصادي وتجاري واضح، ويتمثل في منح السفن الأمريكية، سواء الحربية أو التجارية، امتيازات خاصة للعبور من قناة السويس، تصل في بعض التصورات إلى المرور المجاني أو شبه المجاني.

ــ قناة السويس… خط سيادي لا يقل حساسية

يمثل هذا الطرح، وفق مراقبين، تحديًا مباشرًا لمكانة قناة السويس باعتبارها مصدرًا استراتيجيًا للدخل القومي المصري، وأحد أهم روافد العملة الصعبة. كما يفتح الباب أمام مطالب مماثلة من قوى دولية أخرى، ما قد يُفقد القناة جزءًا من استقلاليتها الاقتصادية.

ورغم ذلك، تشير تقديرات إلى أن القاهرة أبدت قدرًا محدودًا من المرونة في هذا الملف، عبر دراسة صيغ بديلة لا تصل إلى حد المرور المجاني، مثل أنظمة خصومات أو امتيازات مقيدة ترتبط بالحمولة أو بطبيعة العبور، وبما لا يمس السيادة المصرية أو العائدات الأساسية للقناة.

ــ توازن دقيق بين الضغط والبراغماتية

تعكس المواقف المصرية محاولة واضحة لإدارة الملف بحسابات دقيقة، تقوم على الفصل بين ما هو سيادي وغير قابل للتفاوض، مثل مياه النيل، وبين ما يمكن مناقشته ضمن أطر اقتصادية محسوبة، مثل تسهيلات محدودة في قناة السويس، دون تقديم تنازلات جوهرية.

في المقابل، يبقى الرهان المصري الأساسي مرتبطًا بمدى جدية واشنطن في الضغط على إثيوبيا للوصول إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، وليس الاكتفاء بإدارة الأزمة أو توظيفها كورقة تفاوضية في ملفات إقليمية أخرى.

ـــ شك مشروع

بين التفاؤل الحذر والشك المشروع، تبدو عودة الولايات المتحدة إلى ملف سد النهضة سلاحًا ذا حدين بالنسبة لمصر: فرصة محتملة لكسر الجمود، لكنها في الوقت ذاته محفوفة بمحاولات لربط الحلول السياسية بصفقات اقتصادية واستراتيجية أوسع. وفي هذا السياق، تواصل القاهرة اللعب على حافة دقيقة، تحمي فيها ثوابتها الوجودية، دون أن تغلق باب المناورة بالكامل.

زر الذهاب إلى الأعلى