حول الخليجمقالات

صراع النفوذ الخليجي

 معتز منصور – باحث سياسي 

يشكل الخلاف السعودي الاماراتي واحدا من أكثر التحولات دلالة في المشهد الخليجي خلال السنوات الأخيرة، لا بسبب حدته الظاهرة، بل بسبب ما يكشفه من انتقال العلاقة بين الطرفين من مرحلة الشراكة المتطابقة إلى مرحلة التنافس المنضبط داخل إطار التحالف نفسه. هذا التحول لا يمكن فهمه بوصفه قطيعة، ولا يمكن تبسيطه كسوء تفاهم عابر، بل يجب قراءته كنتاج طبيعي لتغير البيئة الإقليمية، وتراجع الضمانات الدولية، وصعود منطق تعدد مراكز القوة.

الخطأ التحليلي الشائع هو التعامل مع هذا الخلاف بوصفه مقدمة لانهيارات درامية أو تغييرات فجائية في بنية الحكم. هذا المنطق يتجاهل طبيعة السياسة الخليجية، التي تدار تاريخيا عبر التعديل الصامت لا الصدام المفتوح، وعبر امتصاص التناقضات لا تفجيرها. ما يجري بين الرياض وأبو ظبي هو خلاف على السقف، لا على الاساس، وعلى حدود الدور، لا على مشروعيته.

الخلافات الجوهرية بين الطرفين باتت معروفة. في اليمن، برز التباين حين اتجهت كل دولة الإمارات إلى دعم قوى محلية مختلفة، بما عكس اختلافاً في تعريف الهدف النهائي من الحرب ومسارها. في السودان، ظهر التنافس على النفوذ السياسي والاقتصادي في مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة. في القرن الإفريقي، تعزز السباق على الموانئ وخطوط التجارة والنفوذ البحري. وحتى في ملف الطاقة، ظهرت تباينات واضحة في الرؤية حول إدارة الأسواق وتوقيتات الإنتاج داخل منظومة أوبك بلس. هذه الوقائع تشير إلى انتقال العلاقة من التنسيق الكامل الى شراكة تنافسية، دون أن تعني انهيار التحالف.

لكن الأهم من توصيف الخلاف هو فهم كيفية إدارته. القراءة الغالبة ترى أن السعودية لا تسعى إلى كسر الإمارات أو عزلها، بل إلى إعادة ضبط اندفاعها الاقليمي، خصوصا حين يتقاطع هذا الاندفاع مع ملفات تعتبرها الرياض جزءا من أمنها القومي المباشر. في هذا السياق، تصبح أدوات الضغط سياسية واقتصادية ودبلوماسية بالدرجة الأولى، وتبقى بعيدة عن اي منطق تصادمي مفتوح، لما يحمله ذلك من كلفة إقليمية غير قابلة للضبط.

هذا يقود إلى سؤال بنية النظام داخل الإمارات نفسها. الدولة الإماراتية قامت منذ تأسيسها على اتحاد بين إمارات متعددة، لكل منها خصائصها الاقتصادية والاجتماعية ورؤيتها للمخاطر. أبوظبي تمثل مركز القرار الأمني والسيادي، دبي تمثل القلب الاقتصادي والانفتاح العالمي، والشارقة تمثل ثقلا ثقافيا ورمزيا محافظا نسبيا. هذا التوازن لم يكن يوما ثابتا، بل خضع دوما لإعادة ضبط دقيقة حسب المتغيرات.

التحليلات المتقاطعة تشير إلى أن تماسك هذا الإتحاد لا يقوم على نفي التباينات، بل على إدارتها داخل النظام. التمايز في الأولويات لا يعني صراعا على الحكم، بل اختلافا في تعريف المخاطر وحدود المغامرة. ففي لحظات التصعيد الإقليمي، تميل بعض الأطراف إلى التحفظ والصمت وحماية المكتسبات الاقتصادية، بينما تميل أطراف أخرى إلى سياسات استباقية أكثر حدة. هذا التمايز غالبا ما يظهر فيما لا يقال، لا فيما يعلن.

من هنا، تصبح فرضية التفكك الداخلي او الإنقلاب غير منسجمة مع منطق الدولة نفسها. الاكثر ترجيحا هو اعادة توزيع صامتة للأدوار، وتخفيف لبعض السياسات الأكثر اندفاعا، وإدخال هوامش مراجعة داخلية دون المساس برأس النظام أو بنيته. في السياسة الخليجية، تحميل الكلفة يتم غالبا عبر تقليص الهوامش لا عبر الإزاحة المباشرة.

كما أن شخصنة الخلاف تلعب دورا في تضخيم بعض القراءات. حين ينظر إلى بعض القادة بوصفهم مهندسي سياسات هجومية أو توسعية، يصبح الضغط موجها نحو تعديل السلوك المرتبط بالاسم، لا نحو إسقاط النظام المرتبط بالدولة. هذا النمط من التعامل مألوف في العلاقات الإقليمية، حيث يتم السعي إلى الترويض السياسي لا القطيعة.

أما السيناريو الذي يفترض انتقال الخلاف إلى مواجهة عسكرية مباشرة أو نقل الصراع إلى الداخل الخليجي، فهو سيناريو ضعيف تحليليا. كلفته الاقتصادية هائلة، وتداعياته السياسية ستطال مجمل منظومة الخليج، لا طرفا واحدا. كما أنه يتناقض مع سلوك الدول المعنية، التي ما زالت تحرص على احتواء الخلاف ضمن قنوات غير علنية، وتجنب تحويله إلى صدام مفتوح.

حتى أكثر القراءات النقدية للسياسات الخليجية لا تذهب إلى حد توقع انهيارات داخلية أو تغييرات قسرية في القيادة، بل تركز على توصيف التنافس داخل التحالفات، وحدود هذا التنافس، وأدوات إدارته.

الخلاصة أن الخلاف السعودي الإماراتي هو تعبير عن مرحلة انتقالية في النظام الإقليمي الخليجي، حيث لم تعد الشراكات مطلقة كما كانت، ولم يصل التنافس بعد إلى حد القطيعة. انعكاس هذا الخلاف الأكثر ترجيحا ليس سقوط أنظمة ولا تغييرات درامية، بل اعادة تشكيل بطيئة وصامتة للتوازنات، وضبط أدق لهوامش الحركة، وتقديم الاستقرار والاقتصاد على المغامرة.

زر الذهاب إلى الأعلى