كيف تختبر واشنطن المنطقة تمهيدًا لنظام إقليمي جديد؟

تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ عقود، في ظل تصعيد عسكري وسياسي متدرج تقوده الولايات المتحدة تجاه إيران، وسط حراك إقليمي كثيف يتجاوز منطق الحرب المباشرة إلى ما يشبه “اختبار التحمل” الشامل للمنظومة الإقليمية.
الأسطول الأمريكي: أداة قياس لا أداة حرب
التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة، وعلى رأسها الدفع بأساطيل بحرية متقدمة باتجاه الخليج وإيران، لا تبدو في ظاهرها مقدمة لضربة حاسمة بقدر ما تمثل أداة ضغط وقياس في آن واحد.
فبحسب تقديرات مراكز تحليل عسكري، لا تستهدف واشنطن إسقاط النظام الإيراني في هذه المرحلة بقدر ما تسعى إلى دفع طهران لرفع مستوى الرد، بما يسمح بجمع بيانات استخباراتية دقيقة حول:
طبيعة الرد الإيراني المحتمل.
نطاقه الجغرافي (مضيق هرمز، القواعد الأمريكية، إسرائيل، البنية التحتية للطاقة).
قدرة الحلفاء والخصوم على امتصاص الصدمة.
وتُعد هذه المعطيات، من وجهة نظر صناع القرار، أكثر قيمة من أي “نصر عسكري” سريع.
تحالفات صامتة لحماية الخليج
في هذا السياق، برزت تقارير استخباراتية، من بينها ما نشره موقع Tactical Report، تشير إلى وجود تنسيق سعودي–قطري–عُماني للتعامل مع تداعيات أي تصعيد محتمل مع إيران.
هذه الترتيبات لا تصنف كتحالف عسكري هجومي، بل تُفهم كآليات احتواء تهدف إلى حماية الخليج من آثار الحرب، عبر قياس ثلاث عتبات حرجة:
العتبة الاقتصادية:
متى تتوقف شركات التأمين والشحن العالمية عن العمل في الخليج؟
العتبة الأمنية:
هل يتجه الحوثيون إلى استهداف خطوط النفط البديلة عبر البحر الأحمر؟
العتبة السياسية:
أي الدول الخليجية قد تواجه اضطرابات داخلية إذا توقفت صادرات النفط أو ارتفعت أسعار الوقود محليًا لفترة طويلة؟
توتر مكتوم بين الرياض وتل أبيب
بالتوازي، تصاعدت حدة التصريحات بين إسرائيل والسعودية، في مشهد يتجاوز الخلاف التقليدي حول الملف الإيراني.
فوفق قراءات دبلوماسية، لا يعود القلق الإسرائيلي إلى تقارب سعودي–إيراني بقدر ما يرتبط بمسار سعودي لبناء تحالفات استراتيجية خارج الإطار الأمريكي–الإسرائيلي التقليدي، تشمل تركيا وباكستان.
وتخشى إسرائيل من أن يتحول هذا المسار إلى محور إقليمي مستقل قادر على التأثير في ممرات حيوية مثل البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ما يحد من نفوذها الأمني والاقتصادي في تلك المناطق.
السعودية ورهان ما بعد العاصفة
تتعامل الرياض مع المرحلة الراهنة باعتبارها فترة انتقالية مؤلمة لكنها ضرورية، بين نظام إقليمي قائم على الهيمنة الأمريكية المباشرة، ونظام جديد تُدار فيه المنطقة عبر قوى إقليمية كبرى، مع استمرار مظلة أمنية أمريكية غير مباشرة.
ويُنظر إلى الرهان السعودي على أنه يقوم على سؤال جوهري:
إذا أنهكت أي مواجهة أمريكية–إيرانية البنية التحتية للطاقة والنقل في الخليج، وأضعفت إيران وإسرائيل معًا، فمن سيكون الطرف القادر على فرض الاستقرار وإعادة ترتيب المشهد الإقليمي؟
ضمن هذا السياق، تبرز طموحات سعودية تتعلق بتوطين الصناعات العسكرية، وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبناء مجلس تنفيذي عسكري–صناعي، كأدوات لوراثة النظام الإقليمي خلال العقد المقبل.
الشرق الأوسط اليوم أقرب إلى غرفة عمليات جراحية مفتوحة، حيث لا يمسك الجراح الأمريكي بالمشرط وحده، بل تشاركه قوى إقليمية تسعى لتقليل النزيف وفرض نظام جديد بعد انتهاء العملية.
ويبقى السؤال مفتوحًا:هل تنجح هذه القوى في احتواء الصدمة وإعادة تشكيل التوازن، أم يدخل “المريض الإقليمي” في صدمة حربية قد تطال الجميع دون استثناء؟
