حول الخليجشخصيات عربيةعاجل

‏السعودية والإمارات: من تشابك العلاقات إلى تقاطع المصالح؟

كتب روب غايست بينفولد الباحث بمركز بحوث السلام في براغ، والمحاضر في الأمن والسلام الدولي بجامعة دورهام وبـ King’s في مجلة فورين بوليسي الأميركية 

أنه في غضون الأسابيع الأخيرة، انفجر التنافس السعودي الإماراتي إلى العلن بشكل صريح؛ وقد تجلى ذلك في اليمن، حيث استهدفت الغارات الجوية السعودية شحنات أسلحة كانت متجهة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً في أواخر ديسمبر. 

دفعت ممارسة الرياض لضغوط مكثفة على أبو ظبي الأخيرة لتتخلى الأخيرة عن حليفها المجلس الانتقالي على مضض، 

في تباين صارخ في علاقات البلدين عما كان عليه الحال عام 2015 حين أطلقت السعودية والإمارات تدخلاً عسكريًا مشتركاً في اليمن لكبح نفوذ الحوثيين هناك. 

لكن الانقسام يتجاوز حدود اليمن؛ ففي أماكن أخرى، دعمت الرياض وأبو ظبي ولفترة طويلة أطرافاً متصارعة في الحرب الأهلية السودانية، لكنهما تمكنتا بطريقة ما من إدارة هذا التنافس، أما الآن، فيبدو أن جميع التفاهمات قد جُمِّدت، حيث يُزعم أن السعوديين ضغطوا على الولايات المتحدة في أواخر عام 2025، لفرض عقوبات على الإمارات، بحجة تواطؤها في أعمال العنف الأهلية المروعة في السودان، كما ضغطت الرياض على الصومال لطرد القوات الإماراتية وإلغاء جميع العقود المالية القائمة مع أبو ظبي، وردت الإمارات على هذه الخطوات بإبرام صفقة غاز بقيمة ثلاثة مليارات دولار مع الهند، وهو ما اعتبره المراقبون خطوة لترسيخ ثقل موازن لصداقة السعودية العريقة مع باكستان.

وأوضح روب أن وراء هذه العناوين هناك فجوة أعمق بين رؤيتين متنافستين للنظام الإقليمي، فقد اتبعت أبو ظبي في ظل حكم محمد بن زايد ومنذ فترة طويلة استراتيجية كبرى “تغييرية” مستخدمة القوة العسكرية ودعم الجماعات الانفصالية داخل الدول الضعيفة لاستكمال قوتها الناعمة الكبيرة، وقد جلب هذا النهج نفوذاً، ولكنه جلب أيضاً وانخراط خارجي طويل الأمد لم تحسمه الإمارات بعد.

في المقابل، كانت السعودية تقليدياً قوة تسعى للحفاظ على “الوضع الراهن” وتشدد على الاستقرار فوق كل شيء. 

لقد تغير هذا لفترة وجيزة في ظل حكم ولي العهد محمد بن سلمان، عندما بدا الدهاء السياسي السعودي يشبه أسلوب أبو ظبي أكثر من أسلوب الرياض التقليدي، ولكن سرعان ما عاد السعوديون إلى نهجهم المعهود بسبب مواجهتهم ردود فعل سلبية كبيرة، بينما استمر الإماراتيون في مسارهم، وأدى ذلك إلى خلق ديناميكية غير مستدامة، حيث ظل الطرفان شريكين ظاهريين بينما يستخدمان أدوات سياسية مختلفة تماماً للسعي وراء رؤى متناقضة جذرياً للنظام الإقليمي، بل والعالمي، ولهذا السبب، كان الخلاف الحالي بين دول الخليج متوقعاً منذ زمن طويل، ولهذا السبب أيضاً من غير المرجح أن يهدأ في أي وقت قريب.

تضع الجغرافيا دولة الإمارات في موقع لا تحسد عليه؛ فهي دولة صغيرة في قلب الشرق الأوسط، المنطقة التي لا تزال النزاعات العنيفة فيها شائعة للغاية، كما أنها تقع “بين فكي كماشة” تتمثل في جارين أكبر وأقوى بكثير هما السعودية وإيران وكلاهما أجبر أبو ظبي تاريخياً على التنازل عن أراضٍ، واستجابت الإمارات لذلك كما تفعل الدول الصغيرة التي تهددها قوتان متنافستان عادةً، من خلال التقرب من إحداهما لبناء تحالف ضد الأخرى. 

لقد أصبحت أبو ظبي باختصار، شريكاً موثوقاً للرياض، وإن كان في مرتبة “الشريك الأصغر”.

وسعت الإمارات بعد صعود محمد بن زايد إلى السلطة في عام 2014، إلى تحدي التراتبية القائمة، وعندما تولى سلمان (البالغ من العمر 79 عاماً آنذاك) العرش السعودي في عام 2015، سعى أعضاء أصغر سناً في آل سعود إلى التفوق على بعضهم البعض ليكونوا القوة الحقيقية وراء العرش. 

كان محمد بن سلمان الابن السابع للملك، لكنه سرعان ما أصبح المرشح المفضل للإمارات، وقد أدى ضغط أبو ظبي في واشنطن والرياض إلى تعزيز مكانته في لحظة حرجة من صراع الخلافة.

لقد قيل الكثير عن علاقتهما الشخصية، لكن دعم محمد بن زايد المبكر لمحمد بن سلمان كان مدفوعاً بـ “سياسة واقعية” (realpolitik) براغماتية أدركت حدود الإمارات الخاصة. 

لقد سعت الإمارات إلى تحويل عدم التكافؤ إلى ميزة، من خلال استخدام أصول السعودية الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأكبر بكثير كـ “مضاعف قوة” لطموحاتها الخاصة. 

وقد لخص يوسف العتيبة، سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة، هذا النهج عندما زعم أنه نظراً لأن أبو ظبي لديها “تاريخ سيء مع السعودية أكثر من أي طرف آخر”، فإن دعم محمد بن سلمان يمثل فرصة فريدة للحصول على “أكبر قدر ممكن من النتائج من السعودية”.

وسرعان ما ثبتت صحة هذا الاستشراف الاستراتيجي؛ فقد أيقظ الأمير الطموح “عملاق الخليج النائم” بإرسال قوات سعودية إلى اليمن والبحرين، بينما كان يقود مقاطعة قطر لكن الإمارات هي من كانت يمسك بزمام القيادة. 

بدأت المقاطعة في عام 2017 بعد أن نشرت وكالة الأنباء القطرية خطاباً للأمير تميم بن حمد آل ثاني يشيد فيه بإيران والإخوان المسلمين، ولا يوجد دليل على أن الأمير قال أيًا من هذه الأشياء؛ وقد تكهن مراقبون بأن قراصنة إماراتيين هم من زرعوا التقرير، رغم أن الإمارات نفت دائماً هذا الاتهام.

وصفت مقالة نشرت في صحيفة “نيويورك تايمز” عام 2019، محمد بن زايد بأنه “القائد الأقوى في العالم العربي”. وبينما كان محمد بن سلمان يعيد تشكيل الاستراتيجية الكبرى لبلاده، كان محمد بن زايد هو من يلعب دور “الموجه”، دافعاً بالسعودية نحو اتجاه أكثر حزماً. 

وما يجعل هذا الأمر أكثر إثارة للدهشة هو مدى تعارضه مع المنطق التقليدي؛ ففي إطار النظام الخليجي المصغر، تُعد السعودية قوة مهيمنة، وهو ما يولد لديها ميلاً طبيعياً للحفاظ على “الوضع الراهن”. 

لقد اعتقد السعوديون منذ فترة طويلة أن تغيير الأنظمة في الخارج قد ينذر بالأمر نفسه في الداخل، وتبعاً لذلك تجنبوا القوة العسكرية مفضلين الدبلوماسية خلف الكواليس والسعي وراء الاستقرار، وبناءً على ذلك، باعت الدول الغربية للسعوديين أسلحة متطورة بمليارات الدولارات بافتراض أنها، على حد تعبير مسؤول فرنسي “لن تُستخدم لغايات هجومية، بل لأغراض دفاعية عند الحدود”.

لكن التحول “التغيير” للرياض سرعان ما أتى بنتائج عكسية؛ فقد تسببت الأسلحة الغربية في مقتل مئات المدنيين اليمنيين، ما دفع مرشح الرئاسة الأمريكية آنذاك جو بايدن لوصف السعودية بأنها دولة “منبوذة” واتهمها بـ “قتل الأطفال”، ولم يكن رد الفعل اللفظي هو الوحيد؛ فقد رد الحوثيون بالصواريخ والطائرات المسيرة منذ عام 2015، وهو ما مثل المرة الأولى التي تتعرض فيها السعودية لهجوم مباشر من قبل طرف أجنبي منذ حرب الخليج عام 1991. 

أصبحت الرياض معزولة واحترقت حقول نفطها، بينما ازدادت جرأة الحوثيين بعد ان عكس محمد بن سلمان ديناميكية استمرت لعقود من خلال تحويل نفسه وبلاده إلى شريك أصغر للإمارات ومحمد بن زايد.

عند هذه النقطة، بدأ التحالف الإماراتي السعودي في التفكك، ففي عام 2021، أدى تحول مفاجئ في الموقف السعودي إلى إنهاء حصار قطر؛ وشهد عام 2023 انفراجة بوساطة صينية بين الرياض وطهران، وأوقفت الرياض في اليمن، غاراتها الجوية وتبنت نهجاً سعودياً تقليدياً يتمثل في الضغط على جميع الأطراف لخفض التصعيد وتشكيل حكومة وحدة، وبدأت تقارير عن انقسام دراماتيكي بين السعودية والإمارات (وبين القادة) في الظهور عام 2021؛ حيث تقاربت الرياض والدوحة، بينما توترت العلاقات بين الرياض وأبو ظبي.

غذّت النتائج المتباينة هذا التحول؛ فالتوجه التغييري المعتمد على القوة لم يكن مناسباً للسعودية أبداً، بينما أتقنته الإمارات بشكل أفضل. 

كانت الرياض تخشى من أن تقوض هجمات الحوثيين “رؤية 2030″، وهي خطة محمد بن سلمان الطموحة لإنهاء اعتماد المملكة على النفط وإعادة تأهيل صورتها بتحويلها إلى مركز للسياحة والاستثمار، فيما استوعبت الإمارات هجمات الحوثيين دون ضرر كبير لقوتها الناعمة، التي لا تضاهى في أي مكان آخر بالخليج. 

كما كان أداء الجيش الإماراتي جيداً في اليمن، في حين أفرط السعوديون في الاعتماد على الضربات الجوية.

وجاء الخلاف الآخر حول إسرائيل، ففي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أوضحت السعودية أنها ستُقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل طالما وافقت الأخيرة على إقامة دولة فلسطينية، ولكن عندما وقعت الإمارات وإسرائيل “اتفاقيات أبراهيم” بوساطة أمريكية في عام 2020، قوض ذلك هذا النهج المشروط، وزعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الاتفاقات تعني أن “مفهوم السلام مقابل الانسحاب والضعف قد ولى من العالم”، وما زاد الطين بلة هو قيام الولايات المتحدة بالضغط على الرياض لمنح الطائرات الإسرائيلية المتجهة للإمارات حق العبور في الأجواء السعودية، كما نجحت الإمارات في تحفيز البحرين (التي كانت تقليدياً مؤيدة للسعودية) على تطبيع العلاقات أيضاً.

كان الإسرائيليون يعتقدون أن الإماراتيين سيوصلونهم إلى السعوديين، لكنهم كانوا مخطئين، فالتوتر القائم مع أبوظبي يعني أن أي تطبيع بين إسرائيل والسعودية سيُطرح بوصفه اتفاقًا مستقلًا، خارج إطار “اتفاقيات إبراهيم” التي تقودها الإمارات. 

وأدت الفوضى التي أعقبت هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023 إلى تقارب أكبر بين إسرائيل والإمارات، ما جعل أي تطبيع سعودي مع إسرائيل أو تقارب مع أبوظبي أقل احتمالًا، ففي السابق، كانت إسرائيل والسعودية من قوى الحفاظ على الوضع القائم، لكن صدمة الهجوم ووحشيته حوّلت إسرائيل إلى قوة تغييرية عدوانية تركز على القوة العسكرية، وهي رؤية تتقاسمها الإمارات منذ وقت طويل، فقد وصف أكاديمي إماراتي نهج بلاده عام 2019، بالقول: “إذا لم نلاحق الأشرار، فسوف يأتون إلينا”، وهو ما يبدو اليوم شبيهًا بشكل لافت بخطاب نتنياهو الأخير.

وشبّه نتنياهو بلاده عام 2025، بإسبرطة بسبب سعيها إلى الاكتفاء الذاتي والتفوّق العسكري، وهو تشبيه طالما استخدمه مراقبو الخليج لوصف الإمارات، وبينما تدعم السعودية الحكومة السورية الجديدة، تتعاون إسرائيل والإمارات، بحسب تقارير، لدعم جماعات درزية انفصالية هناك، كذلك، فإن اعتراف إسرائيل مؤخرًا بأرض الصومال، التي تربط الإمارات بها علاقات سرية منذ زمن، ترك السعوديين يشعرون بأنهم محاصرون، وقد ترتدّ هذه الخطوة عالية المخاطر عكسيًا، وتُعزّز الانطباع بأن إسرائيل تنحاز إلى طرف في منافسة خليجية آخذة في التصاعد. 

ويجادل منتقدو الإمارات بأن استراتيجيتها الكبرى تزيد من حدة عدم الاستقرار، وهذا ليس جديدًا؛ فأبوظبي تفعل ما دأبت على فعله دائمًا في عهد محمد بن زايد، لكن ذلك سيجعل أي تقارب مستقبلي أكثر صعوبة.

في الواقع، لم تدم «الصداقة الخاصة» بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد طويلًا، إذ استمرت من عام 2017 حتى 2021 فقط، ويعني الخلاف بينهما أن حلفاء الولايات المتحدة، مثل مصر والبحرين، الذين كانوا يتمتعون بعلاقات قوية مع الرياض وأبوظبي معًا، باتوا مضطرين للسير على حبل مشدود دقيق، لتجنّب أن يسحب أي طرف دعمه المالي. 

وعلى الرغم من أن إسرائيل نجحت في تقويض ما يُعرف بمحور المقاومة الإيراني، فإنها أظهرت استعدادًا ضئيلًا للتفكير في “اليوم التالي” الذي يحوّل هذه الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية طويلة الأمد، وهنا كان يمكن لدول الخليج، بفضل علاقاتها الإقليمية وثرواتها الهائلة، أن تلعب دورًا حاسمًا، لكنها بدلًا من ذلك انخرطت في صراعات متبادلة.

وقد أفرز هذا الواقع صدعًا جديدًا في الإقليم، يضع الدول المتحالفة مع الإمارات، مثل إسرائيل والهند، في مواجهة تكتل غير رسمي مدعوم من السعودية ويضم تركيا وقطر. 

 

ومع ذلك، لا يعني التنافس بالضرورة القطيعة، فلا السعودية ولا الإمارات تريدان عودة النفوذ الإيراني، كما أن زعزعة استقرار جوارهما القريب ليست في مصلحة أي منهما. 

 

ويُظهر تاريخ الخليج الحديث مدى سرعة تبدّل المعادلات: ففي عام 2017، فكرت السعودية جديًا في إرسال قوات إلى قطر، وبعد أربع سنوات فقط أعادت الرياض والدوحة ضبط علاقاتهما، وهما أقرب اليوم من أي وقت مضى إلى الشراكة ضمن رؤية مشتركة. 

إن إدارة التنافس السعودي–الإماراتي سيتطلب براغماتية مماثلة من الطرفين، تقوم على احتواء التنافس والاعتراف باختلاف المقاربات في الوقت الراهن، على أمل أن يمهّد ذلك الطريق لمصالحة٧ مستقبلية.

روب غايست بينفولد محاضر في الأمن الدولي في كلية كينغز بلندن، وباحث في مركز أبحاث السلام في براغ، وأستاذ مساعد في جامعة جونز هوبكنز، والمقال نشر بعنوان “الخلاف في الخليج”.

زر الذهاب إلى الأعلى