إعادة تموضع الإسلاميين في السودان: قطيعة معلنة مع المؤتمر الوطني ومساعٍ لواجهة سياسية جديدة

المحرر السياسى
في تطور يعكس تحولات لافتة داخل التيار الإسلامي السوداني، أعلن الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي أن حركته تسعى استراتيجيًا للتخلص من إرث حزب المؤتمر الوطني وتجربة حكم “الإنقاذ”، محمّلًا الرئيس المعزول عمر البشير المسؤولية الأكبر عن فشل تلك المرحلة التي استمرت نحو ثلاثة عقود.
تصريحات كرتي تمثل واحدة من أوضح الإشارات إلى وجود مراجعة داخلية عميقة في صفوف الإسلاميين، تقوم على الفصل بين الحركة الإسلامية كتنظيم فكري وسياسي، وبين حزب المؤتمر الوطني كأداة حكم ارتبطت بالسلطة وما صاحبها من أزمات سياسية واقتصادية وعقوبات دولية.
ـــ كيان بديل للمؤتمر الوطني
وكشف كرتي عن تأسيس تنظيم جديد يحمل اسم “حركة المستقبل للإصلاح والتنمية”، ليكون بديلاً سياسيًا عن المؤتمر الوطني المنحل، موضحًا أن الإطار النظري للتنظيم الجديد صاغه القيادي الإسلامي البارز أمين حسن عمر.
هذه الخطوة تُقرأ باعتبارها محاولة لإعادة تقديم التيار الإسلامي بصيغة أقل ارتباطًا بمرحلة الحكم السابقة، وأكثر قابلية للاندماج في أي عملية سياسية مستقبلية، خاصة في ظل الحساسية القانونية والسياسية المرتبطة باسم المؤتمر الوطني.
— انقسامات داخلية وإعادة تشكيل القيادة
أقر كرتي بوجود انقسام داخل الحركة، مشيرًا إلى أن معظم الأعضاء المنتخبين في مجلس الشورى انضموا إلى تيار آخر، ما دفع إلى تعيين مكتب قيادي جديد بدل انتخابه.
ويعكس ذلك حالة إعادة ترتيب داخلية لمراكز القرار، في ظل صراع على الشرعية والتمثيل داخل التيار الإسلامي بعد سقوط النظام السابق.
ورغم الحديث عن القطيعة مع الماضي، أكد كرتي أن علي عثمان محمد طه يمثل “المرجعية الفكرية والسياسية” للحركة، في دلالة على استمرار تأثير القيادات التاريخية وإن بواجهة تنظيمية جديدة.
ــ نشاط خارجي ونفي ارتباطات متنازع عليها
في ملف الوجود الخارجي، نفى كرتي أي علاقة بما يُعرف بمكتب الحركة الإسلامية في تركيا بقيادة محمد عطا، مؤكدًا أن تمثيلهم هناك يتم عبر مكتب مختلف يضم شخصيات أخرى من قيادات الحركة.
هذا التوضيح يشير إلى وجود أكثر من جسم يدّعي تمثيل الإسلاميين في الخارج، ما يعكس بدوره حجم التباينات التنظيمية بعد 2019.
ــ براغماتية في التعامل مع الضغوط الدولية
وفي ما يخص القيادي أحمد هارون المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، أقر كرتي بأن وضعه القانوني يقيّد حركته الخارجية، ولم يستبعد طرح بديل يتمتع بقدرة أكبر على التحرك دوليًا، وهو ما يُظهر استعدادًا لتقديم اعتبارات الواقع الدولي على الولاءات التنظيمية التقليدية.
كما أعلن انفتاح الحركة على الحوار مع منظمات دولية، مع رفضه تمثيل مجموعة أخرى يقودها إبراهيم محمود في مثل هذه اللقاءات، ما يؤكد استمرار التنافس على من يتحدث باسم التيار أمام الخارج.
العلاقة مع الجيش والتحذير من تكرار نموذج الدعم السريعدعم كرتي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، لكنه في الوقت نفسه حذّر من تحول “القوات المشتركة” إلى نسخة جديدة من قوات الدعم السريع، في موقف يجمع بين مساندة المؤسسة العسكرية والتحفظ على تعدد القوى المسلحة خارج هيكل الجيش التقليدي.
ــ دارفور ومستقبل وحدة البلاد
حول دارفور، وصف كرتي الإقليم بأنه ظل بؤرة صراع أضعفت الدولة السودانية لسنوات، ملمّحًا إلى أن تجربة انفصال جنوب السودان قد تُطرح كنموذج “خروج آمن وسلمي”، وهو طرح يحمل حساسية كبيرة لأنه يفتح نقاشًا غير مباشر حول احتمالات إعادة رسم حدود الدولة إذا تعذرت المعالجات السياسية الشاملة.
ــ دلالات المشهد
مجمل هذه التصريحات يشير إلى محاولة إعادة تموضع شاملة للتيار الإسلامي:اعتراف بفشل تجربة الحكم السابقة سعي لواجهة سياسية جديدة منفصلة اسميًا عن المؤتمر الوطنيانفتاح محسوب على المجتمع الدوليمع بقاء الرموز التاريخية مؤثرة في الخلفية
يبقى التحدي الأكبر أمام هذا التحول هو مدى قدرته على إقناع الشارع السوداني، الذي ما زال يربط الإسلاميين بسنوات الأزمات، إضافة إلى قدرته على تجاوز الانقسامات الداخلية وتقديم مشروع سياسي مختلف فعليًا لا شكليًا.
