أخبارعاجلمقالاتنحن والغرب

عتبة الحرب

معتز منصور – باحث سياسي

يتكرر السؤال نفسه بصيغ متعددة، ويضغط على الوعي العام بإلحاح عاطفي مفهوم، لكنه يحتاج إلى تفكيك بارد. إذا كانت إيران تعلم يقيناً أن الولايات المتحدة وحلفاءها يُعدّون العدة لمواجهة عسكرية واسعة، وإذا كانت التهديدات علنية والحشود غير مسبوقة، فلماذا لا تبادر إيران بضربة استباقية تقلب الطاولة وتخرج من موقع الانتظار؟ السؤال في ظاهره منطقي، بل يبدو شجاعاً، لكنه عند إخضاعه للتحليل الاستراتيجي يكشف عن سلسلة افتراضات مضلِّلة، لا عن فرصة ضائعة.

الخطأ الأول في هذا الطرح هو الخلط بين التهديد والحرب. فالتهديد ليس مقدمة للحرب بالضرورة، بل أداة بحد ذاتها ضمن ما يُعرف بدبلوماسية الإكراه. الولايات المتحدة تتقن العمل في هذه المنطقة الرمادية، حيث تمارس أعلى درجات الضغط دون عبور العتبة التي تحوّل الصراع إلى حرب معلنة. هذا ليس تردداً، بل حساب دقيق، والأخطر أن كسر هذه المعادلة من الطرف الإيراني لا ينهي المنطقة الرمادية، بل ينقلها فوراً إلى مساحة تخدم الخصم لا العكس.

من يطلق الضربة الأولى لا يكسب زمام المبادرة تلقائياً، بل يتحمّل عبء التعريف السياسي والقانوني للصراع. المبادرة العسكرية، في نظام دولي معقد، لا تعني اختيار التوقيت فقط، بل تعني أيضاً التخلي عن القدرة على التحكم في سقف الرد. هنا يكمن جوهر المعضلة. الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً كاسحاً في إدارة التصعيد، ليس فقط من حيث القوة العسكرية، بل من حيث تنوع أدوات الحرب من الجو إلى البحر إلى الفضاء السيبراني، إضافة إلى شبكة تحالفات جاهزة للانخراط تحت عنوان واحد بسيط: الرد على عدوان.

إيران، على العكس، بنت استراتيجيتها خلال العقود الماضية على منع تشكّل هذا العنوان. كل ما فعلته منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي يدور حول إبقاء الصراع دون لحظة الانفجار القانوني والسياسي. الضربة الاستباقية، مهما كانت مبرراتها، تمنح الولايات المتحدة ما فشلت في انتزاعه بالضغط، وهو شرعية الحرب لا كخيار بل كضرورة.

يخطئ من يعتقد أن الرأي العام لم يعد له وزن. الرأي العام لا يمنع الحرب، لكنه يحدد شروطها. حرب تبدأ بضربة أمريكية تضع واشنطن في موقع المعتدي، وتفتح عليها أسئلة داخلية وخارجية حول الكلفة والجدوى والمدة. أما حرب تبدأ بضربة إيرانية فتختصر هذه الأسئلة وتعيد إنتاج السردية الأمريكية التقليدية: دولة متمردة تهدد الاستقرار العالمي. الفرق بين الحالتين ليس أخلاقياً بل استراتيجي بامتياز.

أما الخوف من الرد النووي، فغالباً ما يُطرح بطريقة غير دقيقة. استخدام السلاح النووي، حتى التكتيكي، لا يدخل ضمن منطق الرد على ضربة تقليدية. هذا السلاح مرتبط بلحظات تهديد وجودي مباشر، لا بحسابات كلفة ومنفعة ميدانية. كسر المحرّم النووي ضد دولة غير نووية سيعيد تشكيل النظام الدولي كله، ويطلق سباق تسلح لا يخدم المصالح الأمريكية قبل غيرها. لهذا السبب تحديداً يبقى النووي خارج الطاولة، لا رحمةً بل حساباً.

القول بأن إعلان إيران أن التهديدات تعادل إعلان حرب سيغيّر المعادلة هو سوء فهم لطبيعة القانون الدولي. النوايا لا تصنع شرعية، والأقوال لا تعادل الأفعال. حتى القوى الكبرى، حين قررت خوض حروب هجومية، احتاجت إلى خلق وقائع ميدانية أو ذرائع محددة لتسويق قرارها. إعلان أحادي لا يحمي صاحبه، بل يعزله.

النقطة الأكثر أهمية، والتي غالباً ما تغيب عن هذا الجدل، أن إيران لا تدير فقط صراعاً لمنع الحرب، بل صراعاً على توقيتها وشروطها. الانتظار هنا ليس حالة سلبية، بل أداة استنزاف. الحشد العسكري المستمر مكلف سياسياً واقتصادياً ونفسياً، وكل يوم يمر دون انفجار هو يوم تتراكم فيه الكلفة على الطرف الذي يحشد، لا على الطرف الذي يصمد.

الردع الحقيقي لا يقوم على الضربة الأولى، بل على الغموض. حين لا يعرف الخصم متى وكيف وأين سيكون الرد، يصبح القرار أكثر تعقيداً. المبادرة الاستباقية تزيل هذا الغموض دفعة واحدة، وتحوّل الخصم من متردد إلى متحرر من القيود.

لهذا، الأدق ليس القول إن أمريكا أعلنت الحرب، بل إنها تمارس شكلاً متقدماً من الضغط دون تجاوز العتبة. والأهم أن إيران، حتى اللحظة، تنجح في إبقاء هذه العتبة قائمة، دون أن تتخلى عن قدرتها على الرد إذا فُرض عليها الصدام.

الشجاعة في السياسة ليست دائماً في إطلاق النار، بل في معرفة متى لا يُطلق. والفرص الحقيقية لا تكون دائماً أمام العين، بل أحياناً في القدرة على منع الخصم من تحويل تهديده إلى فعل، ومن فعله إلى انتصار.

زر الذهاب إلى الأعلى