أخبارالهلال الخصيبعاجلنحن والغرب

دومينيك دو فيلبان… الدبلوماسي الذي قال «لا» للحرب على العراق 

ه

بقلم: أرنست وليم 

في خضم واحدة من أكثر اللحظات توترًا في السياسة الدولية المعاصرة، برز اسم دومينيك دو فيلبان كأحد الأصوات القليلة داخل المعسكر الغربي التي عارضت صراحة قرار شن حرب العراق عام 2003. لم يكن فيلبان سياسيًا هامشيًا ولا معارضًا تقليديًا للولايات المتحدة، بل كان وزير خارجية فرنسا آنذاك، وواحدًا من أبرز رموز المدرسة الديجولية التي تؤمن باستقلال القرار الوطني وتوازن القوة بالمسؤولية.

موقف داخل السلطة… لا خارجها

أهمية موقف فيلبان تعود إلى كونه صدر من داخل مركز صنع القرار الغربي، لا من أطرافه. ففي وقت كانت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا تقودان حملة دولية واسعة لتبرير الحرب على العراق بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل، اختارت باريس، بقيادة الرئيس جاك شيراك وبدعم مباشر من وزير خارجيته، الوقوف في الاتجاه المعاكس.

في 14 فبراير 2003، ألقى دومينيك دو فيلبان خطابًا أمام مجلس الأمن الدولي أصبح لاحقًا أحد أكثر الخطب الدبلوماسية شهرة في التاريخ الحديث. تحدث بلغة هادئة، بعيدة عن الانفعال، مؤكدًا أن الأدلة المقدمة لا ترقى إلى مستوى تبرير الحرب، وأن عمل المفتشين الدوليين لم يُستنفد بعد.

الأهم في خطابه لم يكن التشكيك في المعطيات الاستخباراتية فقط، بل تحذيره الصريح من أن إسقاط الدولة العراقية بالقوة سيؤدي إلى تفكك مؤسساتها، ويفتح الباب أمام الفوضى وعدم الاستقرار، مع عواقب تتجاوز حدود العراق إلى المنطقة بأكملها.

كلفة سياسية واستخفاف إعلامي

قرار فرنسا برفض المشاركة في الحرب لم يمر دون ثمن. فقد تعرضت باريس لحملة انتقادات حادة، خصوصًا في الولايات المتحدة، حيث وُصف الموقف الفرنسي بالضعف أو الجبن أو السعي إلى دور مستقل على حساب “وحدة الغرب”. وتدهورت العلاقات السياسية بين البلدين لفترة، وسط مناخ دولي كان الاعتراض فيه يُصوَّر كنوع من السذاجة أو حتى الخيانة.

غير أن مجريات الأحداث اللاحقة أعادت طرح الأسئلة بشكل مختلف.

حين أثبتت الوقائع صحة التحذير

بعد سنوات قليلة من الغزو، تبيّن عدم وجود أسلحة دمار شامل. تفككت مؤسسات الدولة العراقية، واندلعت صراعات طائفية دامية، وسقط مئات الآلاف من الضحايا. كما ساهم الفراغ الأمني في بروز تنظيمات متطرفة، تحولت لاحقًا إلى تهديد إقليمي ودولي، ولا تزال آثار تلك المرحلة تلقي بظلالها على الشرق الأوسط والعالم حتى اليوم.

في ضوء هذه النتائج، عاد خطاب فيلبان إلى الواجهة بوصفه تحذيرًا مبكرًا لم يُؤخذ على محمل الجد. ولم يعد السؤال المطروح: لماذا عارض الحرب؟ بل: لماذا لم يُصغِ أحد إلى تحذيراته؟

لماذا لم يتحول إلى “أيقونة”؟

رغم أن الوقائع دعمت موقفه، لم يتحول دومينيك دو فيلبان إلى رمز عالمي. ويرى مراقبون أن عالم السياسة نادرًا ما يحتفي بمن يذكّره بأخطائه، خصوصًا عندما تكون تلك الأخطاء مكلفة بهذا الحجم. كما أن المشهد السياسي الدولي بات أكثر ميلًا إلى الاستقطاب، حيث تهمّش الأصوات التي تحاول الجمع بين الواقعية والأخلاق.

فيلبان لم يكن داعية سلام مطلق، ولا سياسيًا مثالياً. كان محافظًا جمهوريًا يؤمن بالدولة وبالحدود الدقيقة بين استخدام القوة وتحمل المسؤولية. بالنسبة له، لم تكن معارضة الحرب موقفًا أخلاقيًا مجردًا، بل قراءة سياسية ترى أن قول «لا» في اللحظة المناسبة قد يكون أكثر شجاعة من الانخراط في حرب تحظى بإجماع لحظي.

درس ما زال قائمًا

اليوم، ومع كل أزمة دولية جديدة تُطرح فيها الحلول العسكرية باعتبارها الطريق الأسرع، يعود اسم دومينيك دو فيلبان كمرجع سياسي يذكّر بأن الواقعية الحقيقية لا تعني الانسياق مع التيار، بل القدرة على تقدير العواقب قبل فوات الأوان.

تجربته تظل مثالًا نادرًا على أن السياسة يمكن أن تكون أخلاقية دون أن تكون ساذجة، وأن الوقوف وحيدًا أحيانًا يكون أقل كلفة من الاندفاع الجماعي نحو الخطأ.

زر الذهاب إلى الأعلى