جيش الاحتلال يعترف بمقتل 70 ألف فلسطيني في غزة

بعد أكثر من عامين من النفي والتشكيك في أرقام الضحايا التي أعلنتها وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، أقرّ جيش الاحتلال الإسرائيلي، للمرة الأولى، بتقديرات تتطابق عمليًا مع تلك الأرقام، معترفًا بمقتل نحو 70 ألف فلسطيني خلال حرب الإبادة على القطاع.
وجاء الاعتراف خلال إحاطة صحفية لمسؤولين عسكريين إسرائيليين، أُجريت قبل يومين، حيث أكدوا أن تقديرات الجيش تشير إلى مقتل قرابة 70 ألف فلسطيني منذ اندلاع الحرب، وفق ما نقلته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، وهيئة البث الإسرائيلية الرسمية، وقناة كان 11.
اعتراف متأخر… وناقص
ورغم خطورة الرقم المعلن، أقرّ جيش الاحتلال بأن هذا العدد لا يشمل المفقودين الذين لا يزالون تحت الأنقاض، مشيرًا إلى وجود “جهود تحليل” لتحديد أعداد القتلى من المدنيين والمسلحين، في محاولة تعكس استمرار التلاعب بالمصطلحات لتخفيف وطأة الجريمة.
ويأتي هذا الاعتراف ليؤكد، بعد سنوات من الإنكار، دقة البيانات الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية، التي طالما وُجهت لها اتهامات إسرائيلية وغربية بـ”التضخيم” و”عدم الموثوقية”.
أرقام وزارة الصحة: الواقع كما هو
وبحسب آخر إحصاء رسمي صادر عن وزارة الصحة في غزة، ارتفع عدد شهداء حرب الإبادة إلى 71 ألفًا و667 شهيدًا، من بينهم نحو 500 شهيد سقطوا خلال فترات سريان وقف إطلاق النار منذ منتصف أكتوبر الماضي، ما يكشف هشاشة أي تهدئة لا تُلزم الاحتلال بوقف حقيقي للعدوان.
منظمات حقوقية: الأعداد أكبر
في السياق نفسه، تشير تقديرات منظمات حقوقية مستقلة إلى أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى من المعلن.
إذ أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان استشهاد 76 ألفًا و230 فلسطينيًا، من بينهم 70 ألفًا و786 مدنيًا، وهي تقديرات تشمل جثامين المفقودين تحت الأنقاض، إضافة إلى إصابة نحو 174 ألف فلسطيني.
أرقام تُعاد… والصدمة لا تتراجع
ورغم أن هذه الأرقام ليست جديدة، فإن إعلانها المتكرر – سواء من الضحية أو من الجاني نفسه – يظل صادمًا في كل مرة، لما يحمله من دلالات على حجم الدمار الإنساني غير المسبوق في العصر الحديث.
ويطرح هذا الاعتراف المتأخر تساؤلات جوهرية حول جدوى الاكتفاء بالإدانات اللفظية، في ظل استمرار الإفلات من العقاب، وضخ الأموال والدعم السياسي والعسكري للاحتلال من قبل قوى دولية، على رأسها الإدارة الأمريكية.
الإبادة لا تُطوى بالتسويات
يرى مراقبون أن هذه الجرائم لا يمكن تجاوزها عبر تسويات سياسية تُبقي على جوهر العدوان، أو عبر صفقات “وقف حرب” تترافق مع استمرار القتل وخرق اتفاقات التهدئة، أو محاولات فرض وقائع سياسية على الأرض بعد فشل تحقيقها بالقوة العسكرية.
كما يحذر حقوقيون من محاولات الالتفاف على المساءلة القانونية الدولية، عبر تهميش دور الأمم المتحدة، ومحاصرة محكمة العدل الدولية، التي تنظر في دعوى الإبادة الجماعية المرفوعة ضد دولة الاحتلال.
في هذا السياق، تتصاعد الدعوات إلى تحرك جاد من الدول الضامنة لأي اتفاقات تهدئة، وعلى رأسها مصر وقطر وتركيا، للانتقال من إدارة الأزمة إلى موقف واضح يدعم محاسبة الاحتلال، واستمرار عزله دوليًا، ووقف ضخ الموارد في شرايينه عبر صفقات اقتصادية توصف بأنها “صفقات عار”.
كما تُطالب هذه الأصوات الدول المعنية بوضع يدها في يد جنوب أفريقيا، التي تقود دعوى الإبادة أمام محكمة العدل الدولية، بدل الانخراط في مسارات سياسية تُبقي على إفلات مجرمي الحرب من العقاب.
وسط هذا المشهد، يبقى السؤال الأهم: هل تمر واحدة من أكبر جرائم الإبادة في القرن الحادي والعشرين بلا حساب؟
دماء الفلسطينيين وتضحياتهم من أجل حقهم في دولة مستقلة لا يجب أن تتحول إلى رقم عابر في نشرات الأخبار، ولا إلى ورقة تفاوض في صفقات السياسة.
الإجابة، كما يؤكد حقوقيون ونشطاء، ستظل مرهونة بمدى استعداد المجتمع الدولي لتحمل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية… قبل أن يُغلق ملف الإبادة دون عدالة.
