ألغام ملفات إبستين – الحلقة الرابعة: مصر الثورة والنظام في عيون الأوغاد

كتب: هانى الكنيسى
تكشف الدفعة الأخيرة من وثائق ملفات ‘جيفري إبستين’ المنشورة على موقع وزارة العدل الأمريكية عن صورة مركّبة، وأحيانًا صادمة، لطريقة نظر دوائر أمريكية وإسرائيلية نافذة إلى مصر بدءا بلحظة التحول الكبرى مع ثورة 25 يناير 2011 وسقوط نظام مبارك، مرورًا بحكم الراحل محمد مرسي وبرصد مواقف الجيش المصري والعلاقات المتشابكة مع الإخوان المسلمين وحركة حماس، وليس انتهاءً بوضع النظام المصري بعد 30 يونيو 2013. مثلما تكشف عن تفاصيل مثيرة تتعلق بثروة عائلة مبارك “في الخارج”، وبعلاقة بعض الناشطين من رموز “ثورة” يناير بدهاليز السياسة الأمريكية.
ولا تكتسب هذه الوثائق أهميتها من شخصية الملياردير اليهودي المدان باستغلال القاصرات جنسيا والاتجار بالبشر، فحسب، بل من كونه “حلقة وصل” بين أطراف سياسية وأمنية غربية وصهيونية.
اللافت أن من بين جميع الملفات الموثّقة، انصب جدل السوشيال ميديا واهتمام الإعلام المصري على مراسلات “منسوبة” لجمال مبارك وزوجته. إذ تداولت صورا لوثيقة “مفبركة” بتاريخ 12 يونيو 2011، (أي خلال فترة سجنه مع شقيقه علاء)، لرسالة بريد إلكتروني يُفترض أن جمال مبارك بعث بها لزوجته خديجة الجمال، موجهة إلى الدبلوماسي النرويجي ‘تيري رود لارسن’ (المبعوث الأممي السابق، وأحد مهندسي اتفاق أوسلو) -والذي يُزعم أيضا أنه أرسلها بدوره إلى ‘إبستين’- يطلب فيها المساعدة لضمان محاكمة عادلة.
وفي الرسالة المزعومة، كتب جمال مبارك أن احتجازه وإحالته للمحاكمة تمّا “بضغط من الغوغاء”، في إشارة إلى الحراك الشعبي الذي أطاح بحكم والده حسني مبارك، عقب ثورة 25 يناير عام 2011.
والحقيقة أنه لا يوجد في وثائق وزارة العدل الأمريكية ما يثبت تورط جمال مبارك أو خديجة الجمال في أي علاقة مع ‘إبستين’، بينما أجمعت تقارير التحليل التقني على أن الوثيقة المتداولة مفبركة بالكامل، استنادا إلى عدة ثغرات أهمها: أولا، أخطاء في الكود التسلسلي لملفات وزارة العدل الأصلية والمكوّن من 8 أرقام (استخدمت الوثيقة المزورة نظام تكويد مختلفاً)، وثانيا، التلاعب بالذكاء الاصطناعي بعدما كشفت تحليلات فنية أن الرسالة أُنشئت أو تم تعديلها رقمياً لتبدو كجزء من “أرشيف إبستين”.
أما المؤكد، فهو أن الوثائق الأخيرة تضمنت رسالة بريد إلكتروني أرسلها ‘جيفري إبستين’ بنفسه إلى محاميه بتاريخ 14 ديسمبر 2012، يستفسر فيها عن إمكانية شراء أحد القصور التي يملكها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.
زمنيا، جاء استفسار ‘ابستين’ بعد نحو عام من تنحي مبارك، ما يشير إلى أن الملياردير المنحرف كان يسعى لاستغلال الظروف السياسية في مصر آنذاك للاستحواذ على عقارات فاخرة في أنحاء العالم.
وفيما لم تشر الوثائق المنشورة إلى أي رد فعلي من المحامي، ولا إلى وجود أي مفاوضات لاحقة بشأن القصر، فإن الجانب “الأكثر إثارة” في كل هذه القصة -من وجه نظر شخصية- أن القصر الذي قصده الملياردير المنتحر هو قصر في العاصمة البريطانية، وبالتحديد في منطقة بلغرافيا (Belgravia) الراقية في قلب لندن، وليس داخل مصر.
فبحسب وثائق وزارة العدل الأمريكية المنشورة في فبراير 2026، فإن القصر المشار إليه في البريد الإلكتروني المؤرخ في ديسمبر 2012، والذي كانت تُقدر قيمته بعشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينية (حسب مواقع إعلامية)، هو عقار مكون من ستة طوابق ومسجّل باسم عائلة مبارك، وأن سبب استفسار ‘إبستين’ عن إمكانية الشراء لأن العقار كان يخضع لإجراءات تجميد الأصول من قبل السلطات البريطانية بعد الإطاحة بنظام مبارك، وكان يبحث عن ثغرة قانونية للاستحواذ عليه. السؤال البديهي هنا: من أين لآل مبارك بهذا القصر الفخيم الذي زغلل عيني إبستين شخصيا وربما كان يخطط لإقامة بعض حفلاته الجنسية بين أركانه؟
بخلاف ذلك، أثارت الوثائق المنشورة “تساؤلات” بعد تداول معلومات عن ورود اسم الناشط المصري وائل غنيم في مراسلات بريدية أُفرج عنها القضاء الأمريكي، ضمن قائمة مدعوين لفعاليات اجتماعية (حفلات غداء أو عشاء) جمعت نخبة من الشخصيات العالمية في مجالات السياسة والتكنولوجيا والأعمال، وهو الأسلوب الذي اعتمده ‘إبستين’ لبناء شبكة علاقاته الدولية الواسعة.
أما أهم ما ورد في الملفات “الموثّقة” بخصوص مصر، على الصفحة الرسمية لوزارة العدل الأمريكية، فيمكن إيجازه في التالي (الفهرسة والعناوين الجانبية من عند كاتب البوست الذي راعى الاحتفاظ بالأكواد التسلسلية لكل فقرة كما وردت في السجلات الأصلية، تحريا للدقة):
أولًا: ثورة يناير الصدمة والرهان الأمريكي
مجموعة البيانات 13 (EFTA01831181 – EFTA01832596)
في ذروة أحداث الثورة، كتب إبستين في 4 فبراير 2011 متسائلًا بقلق واضح: “لقد تخلينا عن مبارك ..هل إسرائيل هي التالية؟”.
هذا السؤال، الذي تكرر بصيغ مختلفة في مراسلاته، يعكس رؤية أمنية إسرائيلية-أمريكية مشتركة تعتبر سقوط مبارك سابقة خطيرة قد تمتد إلى تل أبيب نفسها.
وتكشف المراسلات أن التخلي عن مبارك لم يكن تعبيرًا عن دعم كامل للثورة، بل إدارة خسائر، حيث ظل هاجس الاستقرار، لا التحول الديمقراطي، هو المحدد الأساسي.
ثانيًا: النظرة الأمريكية لحدود المؤسسة العسكرية في مصر
مجموعة البيانات 10 EFTA01964297))
في واحدة من أكثر الفقرات “الكاشفة”، ترد العبارة: “لا يوجد، في هذه المرحلة، أي مبرر وجيه لمواصلة تمويل القوات المسلحة المصرية”.
وتذكر الوثيقة صراحةً أن “الجيش المصري سيفشل في نهاية المطاف في اقتلاع جماعة الإخوان المسلمين، بسبب امتدادها الشعبي”، وأن قرار “الانقلاب” نفسه أُبلغ به فريق الرئيس مرسي من مسؤول أمريكي، وليس من مصدر مصري”!!.
مجموعة البيانات 9 (EFTA01165544)
هذه الوثيقة تكشف أن واشنطن كانت مدركة لمحدودية الخيار العسكري، لكنها في الوقت ذاته لم تكن مستعدة للانخراط علنًا في دعم أو تيار شعبي مسار قد يُغضب قادة المؤسسة العسكرية في مصر، بغض النظر عن تأييدها “النظري” لمبدأ التحول “الديمقراطي”. وهو ما تعبّر عنه حرفيا هذه العبارة الواردة في الوثيقة: “لا تستطيع أمريكا التدخل علنًا… لأن ذلك سينفّر الجنرالات المصريين”.
ثالثًا: المنظمات غير الحكومية: المعركة الصامتة
مجموعة البيانات 9 (EFTA00929930 – EFTA02723318)
تُظهر هذه المجموعة من الوثائق قناعة أمريكية بأن اقتحام مكاتب المنظمات الحقوقية والديمقراطية في مصر لم يكن مجرد شأن قضائي داخلي، بل رسالة سياسية مزدوجة؛ للداخل المصري (ضبط المجال العام)، وللولايات المتحدة (رفض أي وصاية سياسية تحت شعار المبادئ الديمقراطية)
وتصف إحدى الوثائق القضية بأنها “مفبركة من قبل فايزة أبو النجا، إحدى المقربات من نظام مبارك”.
ومن “الطرائف” الكاشفات أيضا، إشارة في إحدى الوثائق إلى أنه “رغم 50 مليار دولار من المساعدات الأمريكية على مدى 30 عامًا (فترة حكم مبارك)، فإن الواقع صادم:
33% من الرجال و56% من النساء في مصر لا يزالون أميين”.
رابعًا: سيناء وغزة: الأمن قبل السياسة
مجموعة البيانات:
EFTA00929941 – EFTA01954843 – EFTA01977314– EFTA01995064)
تظهر سيناء في الوثائق بوصفها نقطة التقاء المصالح الأمنية المصرية-الإسرائيلية.
فتعليقًا على واقعة مقتل 16 جنديًا مصريًا أثناء تناولهم وجبة الإفطار في السابع عشر من شهر رمضان الموافق 5 أغسطس 2012 (والتي اشتهرت باسم “مذبحة رفح الأولى)، تشير إحدى الوثائق إلى أن “الإسرائيليين كانوا أكثر استعدادًا للتعامل الاستخباري، مع وجود تنسيق شبه يومي ونظام اتصالات مباشر بين الجانبين”.
وفي المقابل، تزعم المراسلات الواردة في تلك الوثائق أن دور مصر “الوسيط” في ملف غزة كان “هشًا ومشروطًا”، مستدلةً في ذلك باستهداف أحمد الجعبري الذي “عرقل الجهود المصرية لإبرام هدنة شاملة”
وتشير تقارير أخرى إلى أن محمد مرسي حاول مقايضة الضغط على حماس في ملف سيناء بفتح معبر رفح، كما هو وارد حرفيا في الوثيقة التي تحمل الكود التسلسلي:
(EFTA01977314)
خامسًا: الاهتمام الخليجي بالمحروسة .. مظلة الأمان
مجموعة البيانات 9 – ( EFTA00933028)
تظهر هذه الوثيقة أنه خلال الأيام الأولى من ثورة يناير 2011، عرض زعيم إحدى الدول الخليجية “تعويض أي تمويل قد تحجبه الولايات المتحدة”، كما تشير إلى “اهتمام خليجي بالغ” بسير ونتائج الانتخابات الرئاسية المصرية بعد 2013.
سادسًا: ما بعد 30 يونيو :2013 إعادة التموضع الإقليمي
(EFTA02720449 – EFTA01926813 – EFTA00972071)
بعد الإطاحة رسميا بحكم الإخوان المسلمين في مصر في يوليو 2013، تتضمن الوثائق المنشورة من “ملفات إبستين” تقارير عن مظاهر ملاحقة قيادات وكوادر الجماعة، مع إشارات صريحة لـ”تعويل إدارة أوباما على الجيش”، بوصفه أداة “استقرار”، رغم إدراكها أن ذلك “سيكون له عواقب دائمة على المجتمع المصري”.
وتشير تلك الوثائق أيضا إلى “تقارب مطّرد” بين المؤسسة العسكرية في مصر ودول الخليج، وهو ما انعكس -حسب إشاراتها- في “تعديل موقف القاهرة الرسمي من نظام بشار الأسد في سوريا بحلول قمة 2014، ليصبح أكثر انسجامًا مع الحلفاء الخليجيين”. بينما يلاحظ في تلك الوثائق تكرار السؤال: “هل ستتدهور العلاقات مع واشنطن أم ستتعزز في عهد الرئيس السيسي؟”.
