مأزق ترامب في إيران

بقلم: أرنست وليم
مأزق ترامب في إيران لا يكمن في ميزان القوة العسكرية. هذه نقطة محسومة سلفًا. فالولايات المتحدة قادرة، إذا قررت، على تدمير البنية العسكرية الإيرانية، وشلّ الدولة، وربما إسقاط النظام نفسه. لكن السؤال الأخطر هو: وماذا بعد؟
الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران يضع ترامب في ورطة حقيقية. الاستمرار يعني التورط في مغامرة لا أحد يعرف أين تنتهي، والتراجع يعني فضيحة سياسية، مهما كانت صيغة التبرير. ببساطة: إمّا أن تتدخل فتغرق، أو تتراجع فتُفتضح. والعالم — بما فيه الداخل الأمريكي — ليس جمهورًا واحدًا يمكن اختصاره في «بهاليل ترامب».
في العراق، كان لدى جورج بوش — على الأقل — مشروع واضح، وإن كان خاطئًا: التحول القسري نحو الديمقراطية. ليس عبر إجبار الناس على صناديق الاقتراع، بل بإزالة العائق السياسي الذي يمنع هذا التحول. الفكرة سقطت لأنها تجاهلت حقيقة أساسية: العائق لم يكن صدام حسين فقط، بل بنية المجتمع نفسه، بميراثه الديني والعشائري، وتعقيد صراعاته الإقليمية. النتيجة كانت معروفة: أموال لا تُحصى، دماء غزيرة، وفوضى انتهت بـ«دعشنة» المنطقة. مليارات صُرفت، والنتيجة صفر، مع تروما تجعل قضية إيران اليوم ترتعش فيها الركب.
اليوم، ما هو المشروع الأمريكي في إيران؟
هل الهدف مجرد تغيير النظام؟ وإذا سقط النظام، ما البديل؟
الحديث عن عودة ابن الشاه أقرب إلى الوهم السياسي. ولا حتى ترامب نفسه مقتنع به. والسيناريو الوحيد القادر على فرض مثل هذا الحل هو تدخل بري طويل الأمد لحماية «الصنيعة» السياسية. تجربة العراق تقول بوضوح: الموضوع ده اتجرب قبل كده… وفشل فشلًا ذريعًا.
إيران ليست دولة بسيطة. تركيبتها الإثنية، ومناطق النفوذ أو التواجد المكثف على الأرض — تحدثت عنها في مقال سابق على صفحتي بتاريخ 9 يناير بعنوان:
«ما بعد سقوط الجمهورية الإسلامية – بين وهم الخلاص وسيناريو التفكك» —
أقل ما يُقال عنها إنها معقدة، بل قابلة للانفجار:
أقاليم كردية في الشمال الغربي
مناطق أذرية بامتدادات خارجية
عرب في الجنوب الغربي
تركمان في الشمال الشرقي
مركز فارسي منهك وممزق
مع تاريخ طويل من الحسابات المؤجلة، يجعل أي انهيار مفاجئ للنظام وصفة مؤكدة لفوضى شاملة. انهيار قد يجعل من العراق، بكل مآسيه، واحة هدوء وسلام بالمقارنة.
الأخطر أن هذه الفوضى — كما يعرف الجميع، أو يُفترض ذلك — هي الأرض الخصبة التي تنبت فيها التنظيمات الإسلامية الأكثر خطرًا، والأعلى قدرة على التجنيد، وتحويل البشر إلى أحزمة ناسفة تتحرك على قدمين.
وهنا تبرز مقارنة لا يمكن تجاهلها:
نظام صدام، رغم تشدده القومي البعثي العروبي، لم يكن نظامًا عقائديًا انتحاريًا. أمّا الجمهورية الإسلامية في إيران، فهي نظام يعمل بمنطق «النصر أو الشهادة»، القاعدة الشمشونية: عليّ وعلى أعدائي.
هذا ليس «تهويشًا» إعلاميًا، بل عقيدة سياسية حاكمة تُبنى عليها القرارات المصيرية. نظام لا ينهار بسهولة، لأنه لا يرى في الانهيار نهاية، بل خيارًا أخيرًا.
والحقيقة أن كل أطراف الصراع تأخذ هذا البعد بعين الاعتبار. وتهديدات إيران بعمليات انتحارية «تلويشية» هي جدٌّ لا هزل فيه. حتى إسرائيل ودول الخليج، بل وتركيا نفسها، حذّرت ترامب من هذا السيناريو، وهو ما يجعل المعضلة أكثر إرباكًا.
لذلك، إن أقدم ترامب على المواجهة، فالفرح المبكر ليس في محلّه. وإن تراجع، فالتراجع ذاته ليس بلا كلفة. أي انسحاب أمريكي سيُقدَّم فورًا داخل إيران وعلى المستوى الإقليمي — و«بهاليله» — باعتباره نصرًا للجمهورية الإسلامية على أمريكا نفسها: الدولة التي جاءت بكل ما لديها من قوة، ثم رمتكم بفلذات أكبادها، وعادت في خزي، منهزمة، تولي الدبر.
ما خسرته إيران خلال السنوات الماضية — من استنزاف أذرعها في لبنان وغزة، ومن كلفة المواجهة غير المباشرة — ستسعى لتعويضه سريعًا. الاتجاه سيكون واضحًا: تسريع الطريق نحو السلاح النووي، وتطوير الصواريخ الباليستية، باعتبارها ضمانة بقاء، لا أدوات هجوم فقط. وفي هذا السياق، ستدخل الصين بثقل أكبر وبصورة أكثر علنية، دون خوف حقيقي من مواجهة مع واشنطن في هذه المنطقة، بعد أن بات واضحًا أن أمريكا تلوّح بالقوة أكثر مما تستخدمها.
اللعبة اتقرّت، والكل سيحسب على هذا الأساس، ما يزيد وتيرة التجييش، وحدّة التسارع، والجرأة على الفعل، والتهوّر، ورفع سقف المواجهة أكثر فأكثر.
وفي الخلفية، هناك حقيقة يصعب تجنبها في هذا السياق: كل هذا المسار بدأ بخطأ واحد ارتُكب داخل إيران نفسها، عندما أُعطي الخميني مفاتيح الدولة. خطأ واحد، لكن كلفته امتدت عبر أجيال: الجيل الذي جاء به، ثم أبناؤه، ثم أحفاده، حتى الجيل الثالث.
وحين فاض الكيل أخيرًا، خرج الناس من تلقاء أنفسهم، بشجاعة لا يمكن إنكارها. خرجوا لأنهم لم يعودوا قادرين على الاحتمال. وجرت — وللأسف — عملية تشجيع لمزيد من الخروج، مع وعود ترامب بأنه قادم سريعًا بأسطوله «والنبي جي»، «مسافة السكة». نشر أتباعه هذا «الوعد الصادق»، فجاء الرد كما هو متوقع: قمع، دم، وعجز دولي عن الفعل.
الورطة الآن هي: إمّا قبلة حياة للجمهورية الإسلامية، أو بذر بذور إعادة دورة الدعشنة المنفلتة للمنطقة.
باختصار، يقف ترامب اليوم أمام مأزق مكتمل الأركان:
قوة قادرة على التدمير، بلا مشروع لما بعده.
تراجع يبدو عقلانيًا، لكنه يُقرأ كهزيمة.
وتدخل قد يبدو حاسمًا، لكنه يفتح أبوابًا لا أحد يعرف كيف تُغلق.
أسوأ الورطات ليست تلك التي تخسر فيها المعركة، فبعض الخسائر ربح.
بل تلك التي تدخلها وأنت لا تعرف أصلًا: ما الذي تريد أن تربحه؟.
