
بقلم: أرنست وليم
لم تكن سياسات الهجرة في عهد دونالد ترامب مجرد تشدد إداري أو مقاربة أمنية قاسية، بل كانت امتحانًا أخلاقيًا سقط فيه كثيرون. سقط أولئك الذين تخيّلوا أن الولاء الأعمى قادر على تحويلهم، بضغطة خطاب، من “مهاجرين” إلى أمريكيين بيض من زمن الآباء المؤسسين، وكأن الهوية تُمنح بالتصفيق، أو بترديد الشعارات.
لم يكن هؤلاء ضحايا صامتين، بل كانوا دعاة نشطين للخطاب الترمبي، يرددون بثقة أن حملات ICE لا تستهدف سوى “المجرمين” و”تجار المخدرات” و”الأجانب الوحشيين” و”المسلمين”. كانوا يطمئنون أنفسهم والآخرين بأن الدولة تعرف جيدًا من يستحق البقاء ومن يجب أن يُرحّل. ثم جاءت الليالي التي لا تشبه الخطب، ولا تحفل بالشعارات؛ ليالي الواقع العاري، حيث بدأ سقوط الوهم… وسقوط المغفلين.
جونيور بينا: حين ابتلعت الآلة مروّجها
أكثر من مليون متابع على “تيك توك” وحده كانوا يتلقون خطاب جونيور بينا، المؤثر البرازيلي الذي لم يُخفِ دعمه لترامب وسياساته. كان بينا صوتًا واثقًا، يهوّن من مداهمات ICE، ويؤكد أن “الملتزمين” لا خوف عليهم. باختصار، كان يبيع وهمًا مريحًا: أن الدولة تفرّق بين “الطيب” و”السيئ”.
لكن حين تحركت الدولة، لم تسأل عن فيديوهاته ولا عن نبرته الوطنية. جلسة محكمة فائتة، ملف إداري عالق، فكان كافيًا ليجد نفسه مكبلًا، منقولًا إلى مركز احتجاز، داخل المنظومة ذاتها التي طالما بررها ودافع عنها. لم يكن مجرمًا، ولا خطرًا أمنيًا، بل مجرد رقم في نظام لا يعترف بالولاء ولا يعرف الامتنان.
في سجن “ديلاني هول” بولاية نيوجيرسي، حيث رائحة العفن ومعقمات الأرضيات، استيقظ أوستاكيو دا سيلفا بينا جونيور — كما يعرفه 1.3 مليون متابع — على مفارقة قاسية. الرجل الذي صوّر نفسه حارسًا للقيم الأمريكية، والمؤيد الأجش لسياسات الترحيل، وجد نفسه داخل ماكينة الترحيل نفسها. لم تشفع له مسيحيته، ولا سبعة عشر عامًا قضاها في الولايات المتحدة، ولا دعمه غير المشروط لشعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”. اكتشف متأخرًا أن “العظمة” التي بشّر بها البعض لا تتسع للجميع، وربما لا تتسع له أصلًا.
شهر عسل ينتهي عند بوابة الاحتجاز
قصة كاميلا مونيوز، المهاجرة من بيرو، جاءت أكثر فجاجة في رمزيتها. زوجة لمواطن أمريكي مؤيد علنًا لترامب، ومدافع عن سياسات الهجرة الصارمة بوصفها ضرورة لحماية البلاد. بعد شهر العسل، توقفت حياتها عند بوابة الدخول بسبب تجاوز مدة الإقامة، لتُنقل مباشرة إلى مراكز احتجاز ICE.
الزوج استمر في الدفاع عن ترامب أمام الكاميرات، بينما وجدت الزوجة نفسها في مواجهة الأسرة المعدنية، والعنابر المكتظة، والانتظار المفتوح بلا يقين. هنا يتجاوز السؤال الإطار القانوني ليصبح سؤالًا أخلاقيًا بامتياز: كيف يبرر إنسان نظامًا يسحق أقرب الناس إليه، ثم يسمي ذلك “عدالة”؟
مراكز احتجاز بلا إنسانية
هذه المراكز، التي تُقدَّم في الخطاب الرسمي باعتبارها أدوات إدارية، بعيدة كل البعد عن تلك الصورة. شهادات محتجزين سابقين تتحدث عن اكتظاظ خانق، إضاءة لا تنطفئ، حرمان من النوم، طعام رديء، ورعاية طبية شبه غائبة. لا إجراءات قضائية منضبطة، ولا تمييز فعلي بين “مجرم” و”مخالف إداري”. الجميع سواء أمام بيروقراطية باردة، تذكّر بنماذج تعامل الأنظمة الشمولية مع من تصنفهم كـ”مشاكل”.
ورغم ذلك، استمرت الكذبة الكبرى: “نحن فقط ضد المجرمين”. كذبة صدقها كثيرون أو تظاهروا بتصديقها. الواقع أثبت أن الطلاب، والعمال، والأمهات، ومن عاشوا عشرين أو ثلاثين عامًا في الولايات المتحدة، جميعهم قابلون للاعتقال. لا سجل جنائي مطلوب، ولا تهديد أمني. خلل في الأوراق يكفي.
حتى الدين، الذي ظن بعضهم أنه خط دفاع أخير، لم يشفع. فالمسيحية لم تحمِ أقباطًا من إجراءات الاحتجاز، كما نوقش صراحة في حلقة مجدي خليل المعنونة: “كيف نساعد مشروع قانون دعم الأقباط في الكونغرس؟”. الشاهد هنا أن ICE لا تسأل عن الصليب ولا عن الكنيسة، كما لا تهتم بعدد المرات التي هوجم فيها الإسلام أو اليسار على وسائل التواصل الاجتماعي.
سقوط الوهم الجماعي
هكذا انحدر الخطاب السياسي من نقاش عقلاني حول تنظيم الهجرة والأمن واحتياجات الدولة، إلى خطاب عنصري فجّ، يتحدث عن “بلدان قذرة” ويصنّف البشر وفق أصولهم. المفارقة أن بعض أكثر المصفقين لهذا الخطاب جاؤوا أنفسهم من تلك البلدان، واعتقدوا أن تبني الكراهية يمنحهم حصانة.
اللاتينوس الذين دعموا السياسات الترمبية مثال صارخ. ظن بعضهم أن الصفقة بسيطة: نحن في الداخل، وغيرنا خلف الأسوار. لكن حين بدأ التطبيق الفعلي، لم تفرّق الآلة الأيديولوجية بين من صوّت ومن لم يصوّت. اكتشفوا أن النظام لا يعرف الامتنان، ولا يعترف بالتحالفات المؤقتة.
هذه ليست مجرد قصص اعتقال، بل لحظة انكشاف. انكشاف وهم الولاء الأعمى، ووهم أن التطرف يحمي، وأن الدين يشفع، وأن الإقامة الطويلة ضمان، وأن “الآخرين فقط” هم المشكلة. من حصل على الجنسية ثم أدار ظهره للبقية، متبنيًا منطق “الباقي إلى الجحيم”، فهو شريك أخلاقي في هذه المأساة، حتى إن لم تطله شخصيًا.
ليست هذه ليالي سقوط أفراد،
بل بداية ليالي سقوط الوهم.
وهي، بلا مبالغة، ليالي سقوط المغفلين.
